<<  <   >  >>

ب- عوامل الانقسام:

ولكن مع كل العوامل المؤشرة إلى التماسك سواء في مجتمع التكوينات القبلية أو في مجتمع التكوينات الكبيرة فإن عوامل الانقسام كانت موجودة في داخل هذه التكوينات في الوقت ذاته. ففي المجتمع القبلي، رغم ما كانت عليه العصبية من رسوخ يدفع القبيلة إلى أن تخفَّ للدفاع عن أي فرد من أفرادها إذا تعرض لأذًى أو اعتداء أو إهانة من قبيلة أخرى، فإن نداء العصبية هذا لم يكن يمارس بنفس الحماس في حالة كل الأشخاص. ولعل الأقرب إلى الواقع في هذا الصدد هو أن هذا الحماس في الاستجابة لنداء العصبية كان يشتد أو يخف أو حتى ينعدم حسب وضع الشخص في القبيلة، فإذا كان من الوجهاء أو الأعيان أو السادة فإن القبيلة تهب في استجابة فورية لهذا النداء، كما حدث، على سبيل المثال، فيما يرويه ابن الأثير من غضب عمرو بن كلثوم حين أحس أن إهانة قد لحقت بأمه على يدي أم الأمير اللخمي عمرو بن هند فنادى آل قبيلته تغلب، واستجابت القبيلة للنداء وكان بعدها صدام مسلح انتهى لصالح التغلبيين32.

ونحن نستطيع أن نقابل بين هذا وبين ما نستنتجه من شعر قاله قريط بن أنيف أحد بني العنبر "وهو شاعر مخضرم" وكان عدد من أفراد بني ذهل بن شيبان قد نهبوا عددًا من إبله فاستغاث بقوم فلم يغيثوه، فندَّد بموقفهم


32 ابن الأثير: الكامل في التاريخ، القاهرة 1348هـ، ج1، ص331. هذا وربما كان في رواية ابن الأثير الذي نقل ما ذكره عن الرواية العربية، شيء من تزيين الحوادث بتفصيلات مشوقة كما يحدث حين تنتقل الرواية شفاهًا لعدة قرون، ولكن يبقى الاتجاه العام واردًا في حدود ما وصل إلينا من شعر الجاهليين.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير