للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ: وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَبَّلَهُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» . قَالَ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ.» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا تَرَكْت اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ، مُنْذُ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَسُنَّ اسْتِلَامُهُ، كَاَلَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ.

وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُسَنُّ. وَأَمَّا الرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ، فَلَا يُسَنُّ اسْتِلَامُهُمَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْر، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَأَنَسٍ، وَعُرْوَةَ، اسْتِلَامُهُمَا. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا.

وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ.» وَقَالَ: مَا أَرَاهُ - يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَلِمْ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ، إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ طَافَ، فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْت. وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، فَلَمْ يُسَنَّ اسْتِلَامُهُمَا، كَالْحَائِطِ الَّذِي يَلِي الْحِجْرَ.

(٢٤٦٦) فَصْلٌ: وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْأَسْوَدَ وَالْيَمَانِيَّ فِي كُلِّ طَوَافِهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، فِي كُلِّ طَوَافِهِ» . قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ، اسْتَلَمَهُ، وَقَبَّلَ يَدَهُ. وَمِمَّنْ رَأَى تَقْبِيلَ الْيَدِ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَعُرْوَةُ، وَأَيُّوبُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.

وَقَالَ مَالِكٌ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ، وَقَبَّلَ يَدَهُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفَعَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُعْتَدُّ بِمَنْ خَالَفَهُمْ.

وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ بِهِ، اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ

<<  <  ج: ص:  >  >>