للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَيَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، نَحْوُ أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مُنْذُ سَنَةٍ، فَيَبِيعَهُ. أَوْ يَقُولَ: قَبِلْت. أَوْ يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ، فَيَفْعَلَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّ قَبُولَ وُكَلَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوَكَالَتِهِ كَانَ بِفِعْلِهِمْ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إيَّاهُمْ. وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْإِذْنُ قَائِمٌ، مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ الْإِبَاحَةَ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ تَعْلِيقُ الْوَكَالَة عَلَى شَرْطٍ]

(٣٧٤٤) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ، نَحْوِ قَوْلِهِ: إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَبِعْ هَذَا الطَّعَامَ. وَإِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ فَاشْتَرِ لَنَا فَحْمًا. وَإِذَا جَاءَ الْأَضْحَى فَاشْتَرِ لَنَا أُضْحِيَّةً. وَإِذَا طَلَبَ مِنْك أَهْلِي شَيْئًا فَادْفَعْهُ إلَيْهِمْ. وَإِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي هَذَا، أَوْ فَأَنْتَ وَكِيلِي. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ، لَكِنْ إنْ تَصَرَّفَ صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِجَعْلٍ فَسَدَ الْمُسَمَّى، وَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْحَيَاةِ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» . وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.

وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ حُكْمُهُ، وَهُوَ إبَاحَةُ التَّصَرُّفِ وَصِحَّتُهُ، فَكَانَ صَحِيحًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي بَيْعِ عَبْدِي إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ. وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي شِرَاءِ كَذَا، فِي وَقْتِ كَذَا. صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ فِي مَعْنَاهُ. وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ وَالتَّأْمِيرَ. وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ بِغَيْرِ جَعْلٍ، وَلَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَصَحَّ بِالْجَعْلِ، كَالتَّوْكِيلِ النَّاجِزِ.

[فَصْلٌ التَّوْكِيلُ بِجَعْلِ وَغَيْرِ جَعَلَ]

(٣٧٤٥) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجَعْلٍ وَغَيْرِ جَعْلٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ أُنَيْسًا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ، وَعُرْوَةَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ، وَعَمْرًا وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ جَعْلٍ. وَكَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ عِمَالَةً. وَلِهَذَا قَالَ لَهُ ابْنَا عَمِّهِ: لَوْ بَعَثْتنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّي إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبُ مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ يَعْنِيَانِ الْعِمَالَةَ. فَإِنْ كَانَتْ بِجَعْلٍ، اسْتَحَقَّ الْوَكِيلُ الْجَعْلَ بِتَسْلِيمِ مَا وُكِّلَ فِيهِ إلَى الْمُوَكِّلِ، إنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، كَثَوْبٍ يَنْسِجُهُ أَوْ يَقْصِرُهُ أَوْ يَخِيطُهُ، فَمَتَى سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ مَعْمُولًا فَلَهُ الْأَجْرُ.

وَإِنْ كَانَ الْخَيَّاطُ فِي دَارِ الْمُوَكِّلِ، فَكُلَّمَا عَمِلَ شَيْئًا وَقَعَ مَقْبُوضًا، فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيلُ الْجَعْلَ إذَا فَرَغَ الْخَيَّاطُ مِنْ الْخِيَاطَةِ. وَإِنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ حَجٍّ، اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ إذَا عَمِلَهُ. وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ. وَإِنْ قَالَ: إذَا

<<  <  ج: ص:  >  >>