للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[فَصْلٌ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهُمَا]

(٥٨٠٢) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ. فَطَلَّقَهُمَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا بَائِنًا، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ عَلَى بَاذِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ. وَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ طَلَاقًا بَائِنًا، وَلَزِمَ الْبَاذِلَةَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الْأَلْفِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: يَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلِ الْمُطَلَّقَةِ. وَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، فِيمَا إذَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ. فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ، وَوَقَعَتْ بِهَا التَّطْلِيقَةُ، أَنْ لَا يَلْزَمَ الْبَاذِلَةَ هَا هُنَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرَضُهَا فِي بَيْنُونَتِهَا جَمِيعًا مِنْهُ، فَإِذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا، لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهَا، فَلَا يَلْزَمُهَا عِوَضُهَا.

[فَصْلٌ قَالَتْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَطْلُقَ ضَرَّتِي أَوْ عَلَى أَنْ لَا تَطْلُقَ ضَرَّتِي]

(٥٨٠٣) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي، أَوْ عَلَى أَنْ لَا تُطَلِّقَ ضَرَّتِي. فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ وَالْبَذْلُ لَازِمٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الشَّرْطُ وَالْعِوَضُ بَاطِلَانِ، وَيَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ سَلَفٌ فِي الطَّلَاقِ، وَالْعِوَضُ بَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرْطِ الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ الْبَاقِي مَجْهُولًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ. وَلَنَا أَنَّهَا بَذَلَتْ عِوَضًا فِي طَلَاقِهَا وَطَلَاقِ ضَرَّتِهَا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ. فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهَا بِشَرْطِهَا، فَعَلَيْهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ الْأَلْفُ الَّذِي شَرَطَتْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا بَذَلَتْهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ.

[مَسْأَلَةٌ مَا خَالَعَ الْعَبْدُ بِهِ زَوْجَته مِنْ شَيْءٍ جَازَ]

(٥٨٠٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَا خَالَعَ الْعَبْدُ بِهِ زَوْجَتَهُ مِنْ شَيْءٍ، جَازَ. وَهُوَ لِسَيِّدِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ، صَحَّ خُلْعُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الطَّلَاقَ، وَهُوَ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ شَيْءٍ، فَلَأَنْ يَمْلِكَهُ مُحَصِّلًا لِلْعِوَضِ أَوْلَى، وَالْعَبْدُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فَمَلَك الْخُلْعَ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالسَّفِيهُ، وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِهِ. وَمِنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ، لَا يَصِحُّ خُلْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، فَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ.

وَمَتَى خَالَعَ الْعَبْدُ، كَانَ الْعِوَضُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِهِ، وَاكْتِسَابُهُ لِسَيِّدِهِ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا الْعِوَضُ لَهُمْ. وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ، وَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي خُلْعِ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، فَلَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَوَلِيُّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ حُقُوقَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ. وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ، فَيَدْفَعُ الْعِوَضَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>