للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"اللهم إن لم تهد عامراً فاكفنيه". وقال عامر لأربد: قد شغلته عنك مراراً فألا ضربته! قال: أربد: أردت ذلك مرتين فاعترض لي في إحداهما حائط من حديد، ثم رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك! فلم يصل واحد منهما إلى منزله، أما عامر فغد في ديار بني سلول بن صعصة، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية! وأما أربد فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته، وكان أخا لبيد لأمه، فقال يرثيه:

أحشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد

ما إن تعري المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد

فجعني الرعد والصواعق بالق ... ارس يوم الكريهة النجد١

يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام العدو في كبد٢

وقال أيضاً:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب

يتحدثون مخانة وملاذة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب

يا أربد الخير الكريم جدوده ... غادرتني أمشي بقرن أعضب

إن الرزيئة لا رزيئة مثلها ... فقدان كل أخ كضوء الكوكب

قوله: في خلف يقال: هو خلف فلان لمن يخلفه من رهطه، وهؤلاء خلف فلان؛ إذا قاموا مقامه من غير أهله، وقلما يستعمل خلف إلا في الشر، وأصله ما ذكرنا. والمخانة: مصدر من الخيانة. والملوذ: الذي لا يصدق في مودته، يقال: رجل ملوذ وملذان، وملاذة مصدره. والأعضب: المقطوع. وفي الحديث: "لا يضحى بعضباء".

ويروى أن رجلاً قال لمعن بن زائدة في مرضه: لولا ما من الله به من بقائك، لكنا كما قال لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجر

فقال له معن: إنما تذكر أني سدت حين ذهب الناس؛ هلا قلت كما قال نهار بن توسعة:

قلدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السراة البحور

ثم نرجع إلى ذكر المراثي:


١ النجدة: البطل الشجاع.
٢ الكبد: الجهد والمشقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>