<<  <   >  >>

[بيعتا العقبة]

كان بين الأوس والخزرج منذ استقروا في مدينة يثرب صراع قوي على المجد المادي والأدبي، أوجدته العصبية الجاهلية التي كانت تمشي في أرجاء الجزيرة العربية كما يمشي الوباء. وتسري بين القبائل والبطون كما تسري النار في الهشيم1. وكثيرًا ما أدت هذه العصبية بين الأوس والخزرج إلى حروب دامية لم تكن تهدأ حينًا إلا لتبدأ من جديد قوية عنيفة، وكان آخر هذه الأحداث ما وقع بين الفريقين في يوم بعاث2، وهو يوم مشهور في تاريخ الأوس والخزرج، هلك فيه قادتهم ورؤساؤهم، وتصدعت قوتهم، وتعرض مركزهم في يثرب للدمار والانهيار.

وكان يجاورهم في يثرب جماعات من اليهود، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. وطالما كان هؤلاء اليهود يثيرون العداوة والبغضاء بين الأوس والخزرج حتى يأكل بعضهم بعضًا، وحينئذٍ يقيم اليهود على أنقاض هذا الضعف قوة لهم. وقد أدرك الأوس والخزرج هذا الشعور من اليهود، فأخذوا يعضون بنان الندم، ويحسون بالخطر الداهم يحيط بهم، ويتطلعون ذات اليمين وذات الشمال إلى قائد وزعيم يوحِّد كلمتهم ويجمع شملهم.

وكان يزيد من خوف الأوس والخزرج أن اليهود كانوا يتوعدونهم بين الحين


1 وربما كانت بتحريض ومكائد من اليهود، كما قدمنا أول الكتاب وسيأتي.
2 تقدم ذكره من قبل.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير