فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[حفر الخندق]

وكانت هذه الأنباء المثيرة التي ترامت إلى مسامع المهاجرين والأنصار في المدينة حول هذا الجيش الجرار الزاحف عليهم هي كل شيء يشغل تفكير الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ماذا يصنعون أمام هذه القوة الطاغية التي تسرع نحوهم؟ أيمكثون بالمدينة ويتحصنون في دورها؟ أم يخرجون للقاء العدو مهما احتملوا من المتاعب والآلام، ومهما بذلوا من التضحيات الجسام؟

وجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستشير أصحابه ويستطلع أراءهم في هذه المحنة. وكان من عادته -صلوات الله وسلامه عليه- أن يستشير أصحابه فيما يعرض له من مشاكل، فإذا اقتنع بعد هذه المشورة برأي أمضاه متوكلًا على الله، وقدر علمه الله بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} 1.

وهنا، وفي وسط هذا الظلام الذي يخيم على النفوس يطلع سلمان الفارسي -رضي الله عنه- على الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين برأي سديد وفكرة صائبة تشرق لها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، ذلك أنه أشار عليهم بحفر الخندق في الجهة التي يخشى منها خطر الزحف على المدينة.

وكانت فكرة حفر الخندق فكرة عجيبة لم يعرفها العرب قبل ذلك، وإنما عرفها الفرس في حروبهم، وأخذها عنهم سلمان الفارسي -رضي الله عنه- وحينما رأى الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- قوة هذا الرأي واقتنع بصوابه، أمر بوضعه موضع التنفيذ


1 سورة آل عمران، الآية 159.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير