للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المسلمين: أن استعدوا لعمرة القضاء. فلبى المسلمون النداء وساروا إلى مكة وفق صلح الحديبية، والسيوف في قربها، وساقوا الهدي أمامهم وتقدمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- راكبًا ناقته القصواء، وقلوبهم تكاد تطير من الفرح والسرور، ولا غرو فهم سيدخلون أم القرى، ويطوفون بالبيت العتيق، ويتنسمون عرف هذا الوطن المقدس الأثير لديهم، والعزيز عليهم.

ولما سمع أهل مكة بمقدم الرسول وأصحابه، ورأوا أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من مكة، ترك الكثير منازلهم إلى التلال والجبال المشرفة عليها، وأخذوا ينظرون إلى الرسول وأصحابه، وهم يحيطون به إجلالًا وإكبارًا..

وحينما ظهر للمسلمين البيت الحرام انطلقت ألسنتهم بالدعاء: لبيك اللهم لبيك، حتى إذا بلغوا المسجد الحرام اضطبع١ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بردائه وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: "اللهم ارحم امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة" ٢. ثم طاف بالبيت سبعًا، والصحابة يطوفون معه، ثم انتقل إلى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعة، ثم نحر الهدي عند المروة وحلق رأسه.

وبذلك أتم فرائض العمرة -كل هذا وعيون قريش تنظر إليهم من فوق أبي قبيس في حسرة بالغة وألم عميق، وأخذ المسلمون يجوسون خلال مكة، والمهاجرون يزورون دورهم ويصحبهم أصحابهم من الأنصار وهم جميعًا فرحون مستبشرون، واثقون من نصر الله الذي وعد به المؤمنين من عباده.

وانقضت الأيام الثلاثة التي سمح للمسلمين بأن يقيموها في مكة عملًا باتفاق


١ أي أدخل الرداء من وسطه تحت إبطه الأيمن، ورده على كتفه الأيسر من جهة صدره وظهره، والاضطباع سُنة في الأشواط الثلاثة الأول.
٢ هذا لفظ ابن إسحاق في السيرة، كما في "البداية" ٤/ ٢٢٧، وللحديث شواهد بهذا المعنى يصح بها الخبر.

<<  <   >  >>