<<  <   >  >>

[الباب الثاني: في حمل المطلق على المقيد]

[الفصل الأول: في حكم حمل المطلق على المقيد]

[المبحث الأول: في المقصود بحمل المطلق على المقيد وبيان سبب الحمل]

...

المبحث الأول: في المقصود بحمل المطلق على المقيد وبيان سبب الحمل.

اختلف الأصوليون في معنى حمل المطلق على المقيد على مذهبين:

أ - المذهب الأول:

يرى جمهور الأصوليين ومنهم الشافعية - أن معنى حمل المطلق على المقيد هو تفسير المطلق بكونه مراداً به المقيد ابتداء أي: منذ نزول المطلق، فكأن النصين - المطلق والمقيد - بمنزلة نص واحد1، فهو يشبه نوعاً من أنواع المجاز يسمى عند علماء البلاغة بإطلاق الجزء وإرادة الكل2، أو


1 حاشية سعد الدين التفتازاني على مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/156، وتيسير التحرير لابن أمير الحاج 2/35، وحاشية الأزميري على مرآة الأصول 2/119، وفصول البدائع في أصول الشرائع للفناري ص: 82، وشرح الكوكب المنير للفتوحي الحنبلي 2/216، والمسودة لآل تيمية ص: 144، والأحكام للآمدي 2/212.
2 إنما كان حمل المطلق على المقيد يشبه مجاز الكل والبعض ولم يكن مجازاً، لأن العلاقة بين المطلق والمقيد عند بعض الأصوليين هي الكلية والجزئية لا الكل والجزء عند علماء البلاغة ... والفرق بينهما أن الكلية نسبة إلى الكلي وهو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، كـ (لفظ إنسان) فإنه مشترك بين أفراد بني آدم يستوي فيه الذكر والأنثى، وكذلك الجزئية نسبة إلى الجزئي وهو ما لا يقبل الاشتراك ويعرف بأنه مفهوم ذهني يمتنع فرض صدقه على أكثر من فرد واحد، ويدل على الجزئي في الكلام، الاسم العلم نحو: سعيد وصالح، وعدنان الخ.. فإن كلا منها موضوع لفرد بعينه، ومع تخصيص الوضع للفرد المعين لا يتصور الفكر جواز إطلاقه على فرد آخر مهما كان مماثلاً له، لأن العلم لم يوضع له إلا لتمييزه عن كل فرد سواه.
والعلاقة بين الكلي والجزئي: أن الكلي مفهوم ينطبق على أفراد، وكل فرد منها هو جزئي لهذا الكلي- وكل جزئي يطلق عليه اسم الكلي، فخالد مثلاً جزئي ويطلق عليه اسم (إنسان) الذي، هو كلي يشمله وغيره من أفراد الإنسان، والقاعدة في ذلك أن يجعل الجزئي (مبتدأً) والكلي (خبراً) فإذا استقام الكلام- فالعلاقة بينهما الجزئية والكلية كقولك: (زيد إنسان) .
وأما الكل: فما تركب من أجزاء مجتمعة لا يصح إطلاق اسم (الكل) على كل جزء منها وحده، مثل: (بيت) فإنه كل باعتبار اشتماله على أجزاء له، هي الجدران والسقف والباب مثلاً، ومعلوم أنه لا يصح إطلاق اسم البيت على جزء من هذه الأجزاء وحده، فالجدار لا يسمى وحده (بيتاً) والسقف وحده كذلك لا يسمى بيتاً.
وخلاصة القول إن الكلي تحته جزئيات وأن الكل تحته أجزاء، وأن الحكم على الكلي يصدق بأي جزئي من جزئياته، أما الحكم على الكل فلا يصدق بجزء من أجزائه، بل لا بد من اجتماعها فلو قلت: الجدار بيت لم يصح: ويصح الكلي زيد إنسان. وعلى هذا فمفهوم المقيد أعم من المطلق؛ لأن كل من أتى بالمقيد فهو آتٍ بالمطلق دون العكس، وإن كانت دائرة المطلق أوسع. ضوابط المعرفة ص: 34.

<<  <   >  >>