<<  <   >  >>

أما إن كان لبعض الطلاب مزية تقدم في الاجتهاد وطلب العلم، أو حسن الخلق والأدب، فلا حرج على المدرس أن يبرز هذه المزية بتلطف؛ لأنه مما يدعو النظراء إلى الاتصاف بتلك المزية (1) .

ومن صور العدل التي ينبغي لمدرس القرآن مراعاتها، أن يقدم في القراءة الأول فالأول؛ لأنه من جانب راعى العدل بين الطلاب، وفي المقابل شجع المتأخر على البكور، لينال القراءة الأولى.

ومن لطيف ما يذكر في هذه الصورة التعليمية "أن الشاطبي كان يصلي الصبح بغلس (2) بالفاضلية (3) ، ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السُّرى (4) إليه ليلاً، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله: من جاء أولاً فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق، فاتفق في بعض الأيام أن بعض

أصحابه سبق أولاً، فلما استوى الشيخ قاعداً قال: من جاء ثانياً فليقرأ، فشرع الثاني في القراءة، وبقي الأول لا يدري حاله؟ وأخذ يتفكر ما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له، ففطن أنه أجنب تلك الليلة، ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لما انتبه، فبادر إلى الشيخ، فاطلع الشيخ على ذلك، فأشار للثاني بالقراءة، ثم إن ذلك الرجل بادر إلى حمام جوار المدرسة فاغتسل به، ثم رجع قبل فراغ الثاني، والشيخ قاعد أعمى على حاله، فلما فرغ الثاني، قال الشيخ: من جاء أولاً فليقرأ، فقرأ" (5) .


(1) انظر المصدر السابق: 59.
(2) وهو ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح، (المعجم الوسيط (غلس) : 658) .
(3) وهي مدرسة بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني بدرب الملوخية في القاهرة، وجعل الشاطبي
شيخها، (غاية النهاية: 2 / 20) .
(4) وهو سير عامة الليل، (المعجم الوسيط (سرى) : 428) .
(5) غاية النهاية: 2 / 21 - 22.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير