<<  <   >  >>

- الجمع الموسوعي عند المتقدِّمين في براعة الحفظ والاستحضار

كان المتقدِّمون من علماء المسلمين في غاية إتقان الحفظ واستحضار ما هو مركوزٌ في حافظتهم، حتى لو أعادَ أحدهم ما حفظه مراتٍ عديدةً، لا يُغَيِّرُ كلمةً منه، ولا يُحَرِّفُها أو يُصَحِّفُها، ولا يبدل بها مرادفاً لها.

ولو أملى من ذلك كتاباً ضخماً من الأحاديث النبوية، أو القصائد الشعرية، أو المقطعات النثرية؛ لَمَا غَاب عنه شيءٌ من محفوظاته مطلقاً، لقوة ملكة حفظه، وسرعة نُطْقه واستحضاره.

والجمع الموسوعي عند المتقدِّمين، في الحديث النبوي، كان أعظم من الجمع الموسوعي على الحاسب الآلي، في هذه الأزمنة، ويتجلَّى ذلك واضحاً في تراجمهم وأخبارهم التي نُقلت إلينا، والتي تشهدُ على سعة حفظهم، وسيلان ذهنهم، واطِّلاعهم الواسع على علل الحديث، ومعرفة صحيحها من سقيمها.

وممَّن اشتهر بالحفظ وسعة الاطّلاع: الحافظُ الكبير، شيخُ الإسلام، أبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن الكوفي المُلائي (130 - 219?) .

قال يعقوب الفَسَوِي (1) : أجمع أصحابُنا أنَّ أبا نُعَيْم كان غايةً في الإتقان والحفظ.

وقال أبو حاتم الرازي (2) : كان حافظاً متقناً، لم أَرَ من المحدِّثين من يحفظ


(1) ((المعرفة والتاريخ)) 2 / 633.
(2) ((الجرح والتعديل)) 7 / 62، و ((سير أعلام النبلاء)) 10 / 148.

<<  <   >  >>