<<  <   >  >>

ويأتي بالحديث على لفظٍ واحدٍ لا يُغَيِّرُه سوى قَبِيصة وأبي نعيم في حديث الثوري، وكان أبو نُعَيْم يحفظُ حديث الثوري حفظاً جيداً، يعني الذي عنده عنه. قال: وهو ثلاثة آلاف وخمسمئة حديث، ويحفظ حديث مِسْعَر، وهو خمسمئة حديث، وكان لا يُلَقَّن (1) .

ومما يشهدُ له بالحفظ والاطلاع اختبارُ يحيى بن مَعِين له بحضرة الإمام أحمد بن حنبل. فقد روى الخطيبُ البغداديُّ (2) من طريق أحمد بن منصور الرمادي قال:

خرجتُ مع أحمد ويحيى بن مَعِين إلى عبد الرزاق خادماً لهما، فلمَّا عُدْنا إلى الكوفة قال يحيى بن مَعِين لأحمد بن حنبل: أُرِيدُ أنْ أختبرَ أبا نُعَيْم، فقال أحمد: لا تُرِدْ، فالرجلُ ثقةٌ. قال يحيى: لا بُدَّ لي.

فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثاً، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثاً ليس من حديثه. ثم إنهم جاؤوا إلى أبي نُعَيْم، فخرج، وجلس على دكان طين، وأقعد أحمد بن حنبل عن يمينه، ويحيى عن يساره، وجلستُ أسفل.

فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث، وهو ساكت، ثم الحادي عشر، فقال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي، فاضْرِبْ عليه. ثم قرأ العشرة الثانية وقرأ الحديث الثاني فقال: هذا أيضاً ليس من حديثي، فاضْرِبْ عليه. ثم قرأ العشرة الثالثة وقرأ الحديث الثالث، فتغيَّر أبو نعيم، وانقلبتْ عيناه.


(1) قال الحافظ الذهبيُّ في ((سير أعلام النبلاء)) 10 / 210 فيمن يُلَقَّن: أنه كان يُحَدِّثُهم بالحديث، فيتوقَّف فيه ويتغلَّط، فيردُّون عليه، فيقول. ومثلُ هذا غضٌّ عن رتبة الحفظ لجوازِ أنَّ فيما رُدَّ عليه زيادةً أو تغييراً يسيراً، والله أعلم.
(2) ((تاريخ بغداد)) 2 / 20 - 21.

<<  <   >  >>