<<  <  ج: ص:  >  >>

والعلة في ذلك أنه يختص بمن وجب له، ولا يجوز أن يثبت في الابتداء لغيره- بخلاف سائر الديون.

قلت: وكلام صاحب التلخيص -كما رأيت- صريح في أن محله الديون؛ فيقر بدين ثبت له في ذمة الغير؛ إلا في هذه المسائل، وعلى هذا جرى الجرجاني فقال -في المعاياة بعد ذكر هذه المسائل: "هذا إذا قلنا لا يصح بيع الدين في الذمة، وأن الحوالة تفتقر إلى رضى المحال عليه؛ فإن قلنا يصح بيع الدين، وأن الحوالة تصح من غير رضا؛ فأقر به لغيره في هذه المسائل وعزاه إلى بيع أو حوالة، وصح [وإذا] 1 أطلق فعلى قولين -بناء على القولين فيمن أقر للحمل بمال غير منسوب إلى جهة". انتهى.

وما قاله "من تخريج ذلك على الإقرار بالدين -سبقه إليه الإمام الحرمين، وظن ابن أبي الدم أن الإمام تبع الجرجاني في ذلك، ويشبه أن يكون الأمر بالعكس؛ فإن الجرجاني -صاحب المعاياة- متأخر عن الإمام، وما ذكره من الجزم بالصحة فيما إذا أسنده إلى جهة حوالة أو بيع [صححناه] 2 وحكاية القولين فيما إذا أطلق، وأنهما مبنيان على الإقرار المطلق للحمل، هو ما نقله الرافعي عنه، واقتصار الرافعي على نقله عن الجرجاني عجيب؛ فإن الأكثرين من الأصحاب ذكروه كما ذكر الجرجاني، والجرجاني متبع لهم، منهم القفال -في شرح التلخيص- وغيره.

نعم: بقيت مسألة مليحة، وهي [ما] 3 إذا لم يطلق ولم يسند إلى جهة معينة؛ بل قال: صار ذلك إليه وقد صر بها الماوردي، فقال: "يصح قوله: صار ذلك إليه في الصداق والخلع، ويكون في أرش الجناية على حالين، وإن كان دراهم ودنانير، صح، وإن كان إبلا، فلا".

واعلم: أن الراجح -فيما إذا أطلق الإقرار للحمل- الصحة، فيخرج من ذلك أن ما ذكره صاحب التلخيص لا يجيء إلا على الضعيف؛ فمن ثم حمل الأئمة ما ذكره -كما قال الرافعي- على ما إذا أقر بها عقيب ثبوتها، بحيث لا يحتمل جريان ناقل، ثم اعترض الرافعي ذلك. بأن سائر الديون -أيضا- كذلك فلا ينتظم الاستثناء بل الأعيان بهذه المثابة؛ حتى لو أعتق عبده ثم أقر له السيد أو غيره -عقيب الإعتاق- بعين أو دين، لم يصح؛ لأن أهلية الملك لم تثبت له إلا في الحال. ولم يجر بينهما ما يوجب المال.


1 في "ب" ان.
2 في "ب" ان صححناه.
3 سقط في "ب".

<<  <  ج: ص:  >  >>