<<  <   >  >>

3- التنظيم على المدن:

إن أقدم ما وصل إلينا من كتب الرجال التي اتبعت التنظيم على المدن كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط وكتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد ثم كتاب "الطبقات" لمسلم بن الحجاج "261هـ" ثم كتاب "التاريخ الكبير" لابن أبي خيثمة "279هـ" ثم كتاب "مشاهير علماء الأمصار" لابن حبان البستي "ت354هـ" وقد مثل هؤلاء المؤلفون شمول النظرة واتساع الأفق فكانت رقعة العالم الإسلامي بحدوده المترامية ميدانا فسيحا لدراساتهم، على أن نصيب المدن في كتبهم كان يتوقف على مكانتها العلمية ومدى نشاط الرواية فيها، فكلما كان عدد علمائها كثيرا وكانت الرواية فيها نشيطة كلما خصص لا المصنفون نصيبا أوفر في كتبهم، لذلك كان حظ المدينة المنورة وافرا في هذه المصنفات جميعا. فقد خصص لها خليفة بن خياط أكثر من ثلث كتابه وكان حظها في طبقات ابن سعد وافرا أيضا. فمن مجموع الستة مجلدات التي تناولت تراجم رجال الحديث نجد ثلاثة أجزاء تخصص للصحابة والصحابيات من أهل المدينة1، ومجلدا رابعا أشرك فيه مع المدينة بقية مدن الحجاز الأخرى إلا أن للمدينة فيه حصة أكبر2. وللمدينة نصيب كبير أيضا في تاريخ ابن أبي خيثمة وفي كتاب مشاهير علماء الأمصار لابن حبان، واتفاق المصنفين على إعطاء المدينة هذه الأهمية الكبيرة له أهمية في الدلالة على كثرة العلماء ونشاط الرواية فيها وتفوقها على مراكز لعلم الأخرى في العالم الإسلامي خلال القرنين الأولين للهجرة على الأقل, ولا عجب في ذلك لأن المدينة دار السنة فيها تجمع الصحابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الهجرة حيث تلقوا الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا مصادر العلم لمن جاء بعدهم من حملة العلم ورواة الآثار. ومن المدينة انتشر العلم إلى بقية المدن والأمصار بخروج عدد كبير من الصحابة منها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث استقروا في البلاد المفتوحة ونشروا العلم والرواية فيها.


1 المجلد الثالث والرابع والثامن من الطبقات الكبرى لابن سعد "طبعة بيروت".
2 المجلد الخامس "طبعة بيروت".

<<  <   >  >>