للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى -والله- ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل عليّ قولي، ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول ليته سكت، فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك -والله- فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء، كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر، قد رضيت منك بأن تسبني علانية، وتنتفع بمقالتي سرا، فرحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي، فإني كثير العيوب، غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، وافضيحتي من علاّم الغيوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد لله رب العالمين، -وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين-.

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد:

فهذه الرسالة لا تحتاج إلى كبير عناء في بيان كذب صاحبها واختلاقها على الإمام الذهبي، - رحمه الله تعالى- وهو بريء منها ومن أسلوبها براءة الذئب من دم يوسف - عليه السلام- وظاهر من أسلوبها أنها من اختلاق مبتدع جاهل معاصر، شرق بالحجج والبيانات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في تفنيد بدعه، فلم يجد لها جواباً، فلجأ إلى اختلاق هذه الرسالة على أحد تلاميذ شيخ الإسلام الخاصين الذين علا صيتهم ونفع الله بعلومهم، وما الذهبي إلا حسنة من حسنات شيخه ابن تيمية - رحمة الله على الجميع-، وهذه إشارات إلى بعض الوجوه الدالة على كذب مدعي هذه الرسالة:

أولاً: أن الرسالة بلا زمام ولا خطام، فأين ذكرها الذهبي؟ وهذه كتبه المطبوعة تطفح بالمدح والثناء على شيخه، وأين كتبها الذهبي؟ ومتى كتبها؟ ومن ذكرها من العلماء الذين ترجموا للذهبي؟ ومن هو ناسخها؟ وما تاريخ نسخها؟ وأين مخطوطاتها؟ وهذه كلها من بدهيات إثبات الكتب والرسائل إلى أصحابها.

ثانياً: الأسلوب السوقي العامي السخيف الذي كتبت به الرسالة، والذي يدل على جهل صاحبه وامتلاء قلبه حقداً وحسداً لابن تيمية، وإلا فهل من أسلوب الذهبي ذاك الإمام الجهبذ الذي أعطاه الله ذلك البيان والأسلوب الراقي، فهل من أسلوبه مثل هذه العبارات التي ذكرها هذا المفتري؟ كقوله: (بالله خلونا من بدعة الخميس) وكقوله: (إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك!!) وقوله: (يا رجل بالله عليك كف عنك هذا والله قد صرنا ضحكة في الوجود) و (إذا كان قليل العلم والدين باطولياً!!) ، إلخ.. هذا الغثاء.

ثالثاً: ثبت عن الإمام الذهبي - رحمه الله- أنه رثى شيخ الإسلام - بعد وفاته- بمرثية قال فيها:

يا موت خذ من أردت أو فدع *** محوت رسم العلوم والورع

أخذت شيخ الإسلام وانفصمت *** عرى التقى واشتفى أولو البدع

إلخ ... القصيدة في العقود الدرية ص ٤٢٣، فأيهما أسبق هذه الرسالة المزعومة أو هذه المرثية!

رابعاً: أيضاً تحتوي الرسالة على أخطاء علمية وافتراءات على شيخ الإسلام يعرفها من قرأ له، فكيف بمن تتلمذ على يديه؟ ومنها على سبيل المثال قوله: (بلى والله ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر بالموت..) ، وغيرها كثير، - وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين-.

<<  <  ج: ص:  >  >>