للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْقِسْمُ الْخَامِسُ وَهُوَ السَّفَرُ السَّفَرُ هُوَ الْخُرُوجُ الْمَدِيدُ وَأَدْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا عَلَى مَا عُرِفَ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ لَكِنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَشَقَّةِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَوِّعٌ عَلَى مَا قُلْنَا وَاخْتَلَفُوا فِي أَثَرِهِ فِي الصَّلَوَاتِ فَهُوَ عِنْدَنَا سَبَبٌ لِلْوَضْعِ أَصْلًا حَتَّى إنَّ ظُهْرَ الْمُسَافِرِ وَفَجْرَهُ سَوَاءٌ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ

ــ

[كشف الأسرار]

السَّفِيهِ مَعَ الْحَجْرِ ثُمَّ هَذَا الْحَجْرُ عِنْدَهُمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ هَذَا الْحَجْرُ لِأَجْلِ النَّظَرِ لِلْغُرَمَاءِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِمْ وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَالْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ لِأَجْلِ النَّظَرِ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى طَلَبِ أَحَدٍ فَثَبَتَ حُكْمُهُ بِدُونِ الْقَضَاءِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إيجَابِ الْحَجْرِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ طَرِيقَ الْحَجْرِ عِنْدَهُمَا هُوَ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا أَنْ تَكُونَ نَفْسُ السَّفَهِ الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّظَرِ فَإِنَّ السَّفَهَ لَمْ يُوجَدْ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَقَدْ وَجَبَ الْحَجْرُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَالرَّجُلُ غَيْرُ سَفِيهٍ إلَى آخِرِهِ.

لَكِنَّهُ أَيْ السَّفَهَ بِمَنْزِلَةِ الْعَضْلِ أَيْ الْمَنْعِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَجْرَ نَظَرًا فَإِنَّ الْوَلِيَّ إذَا امْتَنَعَ عَنْ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ خِطْبَةِ الْكُفْءِ وَخِيفَ فَوْتُهُ يُزَوِّجُهَا الْقَاضِي مِنْهُ وَيَصِيرُ الْوَلِيُّ مَحْجُورًا سَاقِطَ الْوِلَايَةِ فِي هَذَا الْعَقْدِ حَتَّى لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهِ نَظَرًا لِلْمَرْأَةِ لَا أَنْ يَكُونَ الْعَضْلُ الَّذِي هُوَ ظُلْمٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّظَرِ لَهُ فَكَذَا السَّفِيهُ إذَا أَتْلَفَ مَالِهِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا أَنْ يَكُونَ السَّفَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّظَرِ لَهُ.

[السَّفَر مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

قَوْلُهُ (الْقِسْمُ الْخَامِسُ) أَيْ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ وَهُوَ السَّفَرُ السَّفَرُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ لُغَةً وَفِي الشَّرِيعَةِ هُوَ الْخُرُوجُ عَلَى قَصْدِ الْمَسِيرِ إلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَوْقَهَا سَيْرُ الْإِبِلِ وَمَشْيُ الْأَقْدَامِ عَلَى مَا عُرِفَ يَعْنِي فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ أَيْ لَا يَحِلُّ بِهَا بِوَجْهٍ لِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ بِكَمَالِهَا.

وَلَا يَمْنَعُ شَيْئًا أَيْ وُجُوبَ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ نَحْوَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا لَكِنَّهُ جَعَلَ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا يَعْنِي مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْمَشَقَّةِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهَا لِأَنَّهُ أَيْ السَّفَرَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَشَقَّةِ لَا مَحَالَةَ يَعْنِي فِي الْغَالِبِ حَتَّى لَوْ تَنَزَّهَ سُلْطَانٌ مِنْ بُسْتَانٍ إلَى بُسْتَانٍ فِي خَدَمِهِ وَأَعْوَانِهِ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ إقَامَتِهِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ نَفْسُ السَّفَرِ سَبَبًا لِلرُّخْصِ وَأُقِيمَ مُقَامَ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ حَيْثُ لَمْ تَتَعَلَّقْ الرُّخْصَةُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَوِّعٌ إلَى مَا يَضُرُّ بِهِ الصَّوْمُ وَإِلَى مَا لَا يَضُرُّ بِهِ بَلْ يَنْفَعُهُ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَتْ الرُّخَصُ بِالْمَرَضِ الَّذِي يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ بِازْدِيَادِ الْمَرَضِ لَا بِمَا لَا يُوجِبُهَا.

أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ بِهِ بَرَصٌ فِي حَالِ الصَّوْمِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ بِالْإِفْطَارِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ الصَّعْبَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِنَفْسِ الْمَرَضِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَاخْتُلِفَ فِي أَثَرِ السَّفَرِ فِي الصَّلَوَاتِ فَأَثَرُهُ فِي حَقِّ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا إسْقَاطُ الشَّطْرِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إلَّا كَمَالٌ مَشْرُوعٌ أَصْلًا فَكَانَ ظُهْرُ الْمُسَافِرِ وَفَجْرُهُ سَوَاءً وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُكْمُ السَّفَرِ ثُبُوتُ حَقِّ التَّرَخُّصِ لَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إنْ شَاءَ كَمَا فِي الْإِفْطَارِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْأَرْبَعُ وَإِذَا فَاتَتْ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ عِنْدَهُ وَقَدْ أَوْضَحَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هَاهُنَا غَايَةَ الْإِيضَاحِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهَا فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ شَرْحٍ دَلِيلَانِ ظَاهِرَانِ مِنْ النَّصِّ وَالْمَعْقُولِ وَدَلِيلَانِ خَفِيَّانِ مِنْهُمَا أَيْضًا الْقَصْرُ أَصْلٌ قَالَ مُقَاتِلٌ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ فَلَمَّا عُرِجَ بِهِ إلَى السَّمَاءِ أُمِرَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَصَارَتْ الرَّكْعَتَانِ لِلْمُسَافِرِ وَلِلْمُقِيمِ أَرْبَعًا» كَذَا فِي التَّيْسِيرِ إلَّا بِنَصٍّ وَالنَّصُّ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ دُونَ السَّفَرِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» يَعْنِي الْقَصْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالسَّفَرِ صَدَقَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ فَاعْمَلُوا بِهَا وَاعْتَقِدُوهَا وَالْقَصْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْمُعَلَّقِ بِالْخَوْفِ غَيْرُ هَذَا الْقَصْرِ وَهُوَ قَصْرُ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.

لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ حَقٍّ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ

<<  <  ج: ص:  >  >>