للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَنَّا نَجْعَلُ الْحَاظِرَ نَاسِخًا.

وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَقَالَ الْكَرْخِيُّ الْمُثْبِتُ أَوْلَى، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَتَعَارَضَانِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ رُوِيَ أَنْ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ وَهَذَا مُثْبِتٌ، وَرُوِيَ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ وَهَذَا مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا أَخَذُوا بِالْمُثْبِتِ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ

ــ

[كشف الأسرار]

سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ قَالَ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ فَلَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْآكِلِينَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَيَضْحَكُ» فَنَحْنُ رَجَّحْنَا الْمُحَرَّمَ عَلَى الْمُبِيحِ وَحَمَلْنَا دَلِيلَ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهَا كَمَا بَيَّنَّا فِي مَسْأَلَةِ السُّؤْرِ فَعَلِمْنَا بِالْمُحَرِّمِ وَجَعَلْنَاهُ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ، وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ أَيْ وَكَالضَّبِّ أَوْ الْحِمَارِ، الضَّبُعُ فِي أَنَّ الْمُحَرِّمَ وَالْمُبِيحَ فِيهِ تَعَارَضَا، فَالْمُبِيحُ حَدِيثُ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَيُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ نَعَمْ» وَالْمُحَرِّمُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» فَرَجَّحْنَا الْمُحَرِّمَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَحَدِيثُ جَابِرٍ إنْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَيْ مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّظَائِرِ مِثْلُ الثَّعْلَبِ وَالْقُنْفُذِ وَالسُّلَحْفَاةِ

[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]

قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا) إلَى آخِرِهِ الدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا وَالنَّافِي هُوَ الَّذِي يَنْفِي الْعَارِضَ وَيُبْقِي الْأَمْرَ الْأَوَّلَ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ.

فَإِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالنَّافِي اعْتَمَدَ الظَّاهِرَ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُثْبِتِ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ النَّافِي لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ كَمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا تَعَارَضَا يُقَدَّمُ قَوْلُ الْجَارِحِ عَلَى قَوْلِ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالْمُعَدِّلُ يُخْبِرُ مُعْتَمَدًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَكَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ، وَلِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُفِيدُ التَّأْسِيسَ وَالنَّافِيَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي فِي الْمُثْبِتِ مِنْ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ مَوْجُودٌ فِي النَّافِي فَيَتَعَارَضَانِ وَيَطْلُبُ التَّرْجِيحُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِي تَعَارُضِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَفِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَمِلُوا بِالْمُثْبِتِ وَفِي بَعْضِهَا عَمِلُوا بِالنَّافِي.

وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا مَسْأَلَةُ خِيَارِ الْعَتَاقَةِ وَهِيَ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ يَثْبُتُ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ حَصَلَتْ بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا لَوْ أَيْسَرَتْ وَالزَّوْجُ مُوسِرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفُوٍ لَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْمِلْكَ يَزْدَادُ عَلَيْهَا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ الطَّلَاقِ فَلَهَا أَنْ تَدْفَعَ الزِّيَادَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ بَرِيرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَدْ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمَا خَيَّرَهَا وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ

<<  <  ج: ص:  >  >>