للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كما قد بيّن العلماء الكلام عليها. ومَن زاره في حياته [صلى الله عليه وسلم] كان من المهاجرين إليه، والواحد بعدهم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم و [لا] نصيفه، وهو إذا أتى بالفرائض لا يكون مثل الصّحابة؛ فكيف يكون مثلهم في النّوافل، أو بما ليس قُربة، أو بما هو منهيّ عنه» ، وقد أطال الكلام في هذا المقام ـ عليه الرّحمة والرِّضوان ـ بما يقطع شُبه المعاندين ويجعلها هباء وسرابًا في أعين النّاظرين.

والحاصل أنّ السّبكيّ قد اعترف بأنّ حديث: «لا تُشدّ الرِّحال ... » عامّ في النّهي عن شدّ الرّحل إلى أيّ بقعة ما عدا المساجد الثّلاثة ـ كما قال شيخ الإسلام وغيره ـ؛ فهذا القدر يكفينا منه للإذعان للحقّ. وأمّا ما حاول به في إخراج شدّ الرّحل إلى زيارة القبور من هذا النّهي؛ فقد بناه على الأحاديث التي استدلّ بها على استحبابه، وقد بيّنّا حالها؛ وأنّها ساقطة عن درجة الحسن والصّحّة معا، بل عن درجة الضّعيف المنجبر؛ فلا تقوم بها حُجّة، ولا تقوى بها دعوى؛ فلزمه القول بما قاله مخالفوه. وأمّا قياسه زيارة الميّت على الحيّ؛ فهذا قياس فاسد الاعتبار، والفرق بينهما ظاهر ببادئ الرأي؛ فشتان بين مَن يزور الحيّ لأخذ العلم والإيمان منه، ويفوز برؤيته، ويحظى بصحبته وسماع كلامه والجلوس بين يديه، وغير ذلك من المنافع والمصالح التي كانت تحصل للوافدين إليه صلى الله عليه وسلم، وبين مَن يزور الميّت فلا يرى شيئًا من هذا كلّه؛ فمن ادّعى غير ذلك؛ فعليه بيانه بالنّقل والعقل، ونحن نعلم أنّ زيارة القبور لم تُشرَع إلَّا لتذكّر الآخرة والدُّعاء لأهلها والتّرحّم والسّلام عليهم، ليس إلَّا، ومَن ادّعى مشروعيّتها لغير ذلك؛ فعليه أن يثبت ما ادّعاه بالكتاب والسُّنّة وإجماع الأُمّة، وهذه الزّيارة لا تحتاج إلى سفر وشدّ رحل، وليست هذه الزّيارة مشروعة باتّفاق العلماء؛ بل منهم مَن استحبّها ـ وهم الأكثرون ـ إذا خلت عن شدّ رحل وسفر،

<<  <   >  >>