للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التعيّن الموقوفة عن النفوذ، من أقطار الكيان في رحلة التلون، فرش العقول [١] النظرية المعقولة بالقيود الجبرية، والحدود الفكرية، وقد حجبت عن شهود حقائق القدس، بقياس الغيوب على شواهد الحس، وهن على عدد الحواس الخمس، وقد أشار إلى الكل بلسان الشرع، بما في حديث أم زرع [٢] ، فهن إحدى عشرة امرأة، امرأة نفسانية، لأرواح العقول الإنسانية، جلسن في حضرة الكشف المطلع على عوالم النور، فتعاهدن بأيدي الظهور، وتعاقدن بكشف الستور، أن لا يكتمن عن بصيرته الناقدة، من أخبار أزواجهن شيئا في ذكره فائدة.

الأولى: هي النفس المستكبرة، المصروفة المنكرة، التي غلبت بوهمها/ على همّة قوم، فجاؤوا ظلما وزورا، واستكبروا في أنفسهم، وعتوا عتوّا كبيرا، وهذه أصعب النفوس المتلونة قيادا، وأبعدها حضورا، وأعظمها عنادا، وأشدها نفورا، تصول صولة أهل الدولة والرياش، وتتهافت على الرذائل تهافت الفراش، وتقول بلسان الدعاوي: أنا الشمس والقمر، فاذا بدا ما عندها من المساوئ، عسعس الغيهب واعتكر، فشتان بين سوء المخبر، وحسن الخبر، وتتشبه بزخارف الأقوال لأحوال أهل المشاهد، وريش الطواويس، لا يلتبس بشوك القنافذ، وصاحب هذه النفس، إذا لوحظ بعين الامداد، وجذبته العناية بأزمة السداد، أهزل من أنفتها ما كان سمينا، وحقّر من افتخارها [٣] ما كان ثمينا، وأفردها من الرياضة في جبل صعب المسالك، بعيد الذرى والمدارك [٤] ، ليس لعشاق الرياسة له من سبيل، ولا للهمم الدنية عليه تعويل، فاذا ذلت نفسه لعزّ الحق ودالت، كان كما أخبرت وقالت:

«زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعث» [٥] ، قد أهزل حمل أعباء التواضع شحم كبره، وذاب فخ عظم تعاظمه بنور ذكره، وسكن من جبل الرياضة والخمول، في ذروة يصعب إليها الوصول، لا الجبل سهل فيرتقى، ولا اللحم سمين فينتقى.

الثانية: هي النفس المدسوسة المتلونة في الأخلاق المعكوسة، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها

[٦] ، وتركها منقلبة في مهاوي هواها، ولدتها عوائد الأوضاع، في مشئمة الطباع، ووأدتها الأكيان والأشكال، ودسّتها في متربة الوهم والخيال، فلا حياة إلا برضاع ثدي


[١] في ب: فرش العقور.
[٢] حديث أم زرع مع النساء الإحدى عشرة في بلوغ الأرب ٢/٣٣- ٤٤، وهن نساء من خثعم من قبائل عرب اليمن في الجاهلية، واتفقن أن تصف كل واحدة زوجها، وكانت الأخيرة هي أم زرع، وكانت أبلغهن وصفا لزوجها، والشاذلي هنا يصوغ بأسلوبه مضمون كلامهن بعيدا عن لفظهن.
[٣] في ش: من احتقارها.
[٤] في ب: بعيد الدر والمدارك.
[٥] بلوغ الأرب ٢/٣٦، واسم الأولى مهدد بنت أبي هزومة.
[٦] من سورة الشمس ١٠: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها.

<<  <   >  >>