للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عرفات، فأتّخذها منزلاً ودخل مكة مستتراً، فلقى حرفاءه من الرجال والنساء، فقَالَ: ما يمنعكم؟ قالوا: وأين بك وأنت بعرفات؟ قَالَ: حمارٌ بدرهمين وقد صرتم إِلَى الأمن والنّزهة، قالوا: نشهد أنك صادق، وكانوا يأتونه وكثر ذلك حتى أفسد عَلَى أهل مكة أحداثهم وسفاءهم وحواشيهم، فعادوا بالشّكاية إِلَى أمير مكة، فأرسل إليه فأتى به فقَالَ: أي عدوّ الله! طردتك من حرم الله فصرت إِلَى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع الفسّاق! فقَالَ: أصلح الله الأمير، يكذبون عَلَى ويحسدونني، قالوا: بيننا وبينه واحدةٌ، قَالَ: ما هي؟ قَالَ: تجمع حمير المكارين وترسلها بعرفات، فإن لم تقصد إِلَى بيته لما تعرف من إتيان الخرّاب والسفهاء إياه، فالقول ما قَالَ، فقَالَ الوالي: إن فِي هذا لدليلاً، وأمر بحمير فجمعت، ثم أرسلت، فقصدت نحو منزله، فأتاه بذلك أمناؤه، فقَالَ: ما بعد هذا شيءٌ: جرّدوه، فلما نظر إِلَى السّياط، قَالَ: لا بد من ضربي، أصلح الله الأمير؟ قَالَ: لا بد منه، قَالَ: اضرب فوالله ما فِي هذا شيءُ أشد علينا من أن تسخر منّا أهل العراق فيقولون: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير فضحك الأمير، وقَالَ: والله لا أضربك اليوم وأمر بتخلية سبيله

[جمل من شعر عمر بن أبي ربيعة]

قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، لعمر بن أبي ربيعة:

ما كنت أشعر إلاّ مذ عرفتكم ... أنّ المضاجع تمسي تنبت الإبرا

لقد شقيت وكان الحين لي سبباً ... أن علّق القلب قلباً يشبه الحجرا

قد لمت قلبي فأعياني بواحدة ... وقَالَ لي لا تملني وادفع القدرا

إن أكره الطّرف يحسر دون غيركم ... ولست أحسن إلا نحوك النّظرا

قالوا صبوت فلم أكذب مقالتهم ... وليس ينسى الصّبا إن والهٌ كبرا

قَالَ وقرأت عليه له أيضاً:

بعثت وليدتي سحراً ... وقلت لها خذي حذرك

وقولي فِي ملاطفةٍ ... لزينب نوّلي عمرك

فإن داويت ذا سقم ... فأخرى الله من كفرك.

فهزّت رأسها عجبا ... وقَالَت هكذا أمرك.

<<  <  ج: ص:  >  >>