للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[نيل الأوطار]

[بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الْقُرَبِ الْمُهْدَاةِ إلَى الْمَوْتَى]

حَدِيثُ سَعْدٍ رِجَالُ إسْنَادِهِ عِنْدَ النَّسَائِيّ ثِقَاتٌ، وَلَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يُدْرِكْ سَعْدًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ قَوْلُهُ: (نَحَرَ حِصَّتَهُ خَمْسِينَ) إنَّمَا كَانَتْ حِصَّتَهُ خَمْسِينَ؛ لِأَنَّ الْعَاصِ بْنَ وَائِلٍ خَلَفَ ابْنَيْنِ هِشَامًا وَعَمْرًا، فَأَرَادَ هِشَامٌ أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِ أَبِيهِ فَنَحَرَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمِائَةِ الَّتِي نَذَرَهَا وَحِصَّتُهُ خَمْسُونَ، وَأَرَادَ عَمْرٌو أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِ أَخِيهِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَوْتَ أَبِيهِ عَلَى الْكُفْرِ مَانِعٌ مِنْ وُصُولِ نَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ لَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَحِقَهُ ثَوَابُهُ

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَذْرَ الْكَافِرِ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ لَا يَلْزَمُ إذَا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ نَذْرٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ لِمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِكَ» وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي بَابِ مَنْ نَذَرَ وَهُوَ مُشْرِكٌ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ

قَوْلُهُ: (نَفَعَهُ ذَلِكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْوَلَدُ لِأَبِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ يَلْحَقُهُ ثَوَابُهُ. قَوْلُهُ: (اُفْتُلِتَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَ الْفَاءِ السَّاكِنَةِ وَبَعْدَهَا لَامٌ مَكْسُورَةٌ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَاتَتْ فَجْأَةً كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَوْلُهُ: نَفْسُ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَشْهَرِ نَائِبٌ مَنَابَ الْفَاعِلِ. قَوْلُهُ: (وَأُرَاهَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى أَظُنُّهَا قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا) فِي رِوَايَةٍ مِخْرَافًا، وَالْمَخْرَفُ وَالْمِخْرَافُ: الْحَدِيقَةُ مِنْ النَّخْلِ أَوْ الْعِنَبِ أَوْ غَيْرِهِمَا قَوْلُهُ: (قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ

وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: " فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْمَاءُ، فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ " وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُوَطَّأُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ «خَرَجَ سَعْدٌ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ وَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهَا: أَوْصِي، فَقَالَتْ: فِيمَ أُوصِي وَالْمَالُ مَالُ سَعْدٍ؟ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ الْمُبْهَمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَ بَعْدَ حَدِيثِ عَائِشَةَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «إنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: إنَّ أُمِّيَ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ» وَكَأَنَّهُ رَمْزٌ إلَى أَنَّ الْمُبْهَمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هُوَ سَعْدٌ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ الْوَلَدِ تَلْحَقُ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا بِدُونِ وَصِيَّةٍ مِنْهُمَا وَيَصِلُ إلَيْهِمَا ثَوَابُهَا فَيُخَصَّصُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: ٣٩] وَلَكِنْ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ إلَّا لُحُوقُ الصَّدَقَةِ مِنْ الْوَلَدِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ وَلَدَ الْإِنْسَانِ مِنْ سَعْيِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى التَّخْصِيصِ وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الْوَلَدِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْعُمُومَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ ثَوَابُهُ إلَى الْمَيِّتِ فَيُوقَفُ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا

١ -

وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ هَلْ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ؟

<<  <  ج: ص:  >  >>