للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال رحمه الله بعد ذلك (فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ -يعني في اللوح- أَنَّهُ كَائِنٌ؛ لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ؛ لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَخْطَأَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ.) .


وهذه العقيدة هي حقيقة الإيمان بالقضاء والقَدَرْ.
هي أنْ يعلم العبد أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لو فَعَلَ ما فَعَلْ فإنه لن يَحْجِبَ قضاء الله - عز وجل - وقدره، لم؟
لأنه لا يمكن أن يفعل خلاف ما قدَّرَ الله - عز وجل -.
لهذا وجب التسليم لله - عز وجل - في أمره، ووجب في أَمْرِ المصائب التي لا اختيار للعبد فيها أن يُسَلِّمَ لله - عز وجل - ذلك، وأن يؤمن بقضاء الله - عز وجل - الذي يقضيه.
وقضاء الله - عز وجل - كما ذكرت لك هو إنفاذه ما قَدَّر - عز وجل -.
وهذا القضاء له جهتان:
١ - جهة متعلقة بالله - عز وجل -، وهي فعله سبحانه وتعالى.
وفعله بأن يقضي صفة من صفاته.
فهذه يجب على العبد أن يُحِبَّهَا وأن يرضى بها لأنها صفة من صفات الله - جل جلاله -.
٢ - جهة متعلقة بالعبد لا بالرب، فيكون مَقْضِياً على العبد.
والمقضي على العبد نوعان:
- مقضي عليه من جهة المصائب.
- ومقضي عليه من جهة المعايب.
والمصايب ربما كان لا اختيار له فيها، والمعايب فَعَلَهَا بإرادته.
لهذا بَحَثَ العلماء مسألة الرّضا بالقضاء وهل القضاء تسليم له، يعني الرضا به؟
وتحقيق القول في هذه المسألة أنْ تَعْلَمَ أَنَّ القضاء غير المَقْضِي.
المقضي هذا تَعَلُّقْ القضاء بالعبد.
والقضاء هو قضاء الله - عز وجل - وهو فعله.
وقد يقال فيما يتعلق بالعبد: هذا قُضِيَ عليه وصار قضاءً عليه، فيكون قَضَاء بالنسبة للعبد وهو مَقْضِي.
لهذا نقول: جهة الرب - عز وجل - في القضاء هذه نرضى بها ونحبها.
وأما ما يقضيه الله - عز وجل - على العبد فإنه ما كان من المعايب من المعاصي والآثام التي تقع منه فإنه يجب عليه أن لا يرضى بها.
يعني وَقَعَتْ عليه لكن يجب عليه أن يكره ذلك الذي وقع منه ولو كان قضاءً، ويجب عليه أن يسارع بالانسلاخ من آثاره بالتوبة والإنابة، فلا يُحِبُّ هذا العيب ولا هذا الذنب مع أنه قضاء ولا يرضى به؛ بل يسارع في تخليص نفسه منه.
وأما ما كان من قبيل المصائب التي يُصاب بها العبد فإنّ الرضا بها مُسْتَحَبْ غير واجب.
إذا أُصِيبَ بمصيبة فإنَّ الرضا بها مستحب، كما قال - عز وجل - {وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:١١] ، قال علقمة رحمه الله (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم) (١) .
فالرضا بالمَقْضِيِّ الذي هو من المصائب مستحب لا واجب بالنظر إلى تعلّقه بالعبد وهو المَقْضِي.
أما بالنظر إلى تعلقه بالله فسواء كان من المصايب أو من المعايب فإنه يجب الرّضا عن الله - عز وجل - بأفعاله وصفاته ومحبة أفعال الله - عز وجل - لأنّ الله - عز وجل - يفعل ما يفعل عن حكمة عظيمة، كما قال سبحانه {وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} [التوبة:٤٦-٤٧] ، فالله - عز وجل - يقضي بحكمته ما يشاء، وله الحكمة البالغة، لا يُسْألُ عما يفعل وهم يسألون.
فإذاً تَلَخَّصَ من ذلك أنَّ ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ويتصل بهذا البحث، أو نطويه لأنه قد يطول علينا.
مباحث القدر طويلة ترجعون إليها إن شاء الله تعالى.

<<  <   >  >>