للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المسألة الثالثة] :

قال في ذِكْرِ خلق الجنة والنار (خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ) وهذا مأخَذُهُ قول الله - عز وجل - {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [الأعراف:١٩] ، وهذه الجنة معناه أنَّها موجودة بعد أن نُفِخَ الروح في آدم، وهذا يعني أنَّها تَقَدَّمَتْ قبل خلق آدم.

وهذه الجنة التي سكنها آدم للعلماء فيها أقوال أشهرها:

- الأول: أنها جَنَّةٌ مخلوقة في الأرض وليست بجنة الخلد.

- الثاني: أنَّها الجنة المعروفة دار الكرامة عند رب العالمين.

ويُرَجِّحْ جماعة منهم ابن القيم وكثير من المفسرين من المعتزلة ومن أهل السنة أنَّ الجنة هذه ليست هي جنة الخلد، ولهم في ذلك أدلة طَوَّلَ عليها ابن القيم في أول مفتاح دار السعادة بأكثر من أربعين صحيفة في ذكر هذه المسألة.

* والصحيح أنَّ الجنة هي الجنة المعهودة لأسباب كثيرة وأدلة من القرآن ومن السنة:

من أعظمها قوله - عز وجل - في وصف الجنة {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} (١) [طه:١١٨-١٢٠] إلى آخر الآيات وهذه الصفات (إن لك فيها..) إلى آخره هذه ليست مناسبة للأرض، فالأرض وإنْ كان فيها مكان مرتفع جَنَّةْ إلى آخره مُخْتَلِفْ عن بقية الأرض فلا يوصف مَنْ فيه بهذه الصفات أنَّهُ لا يظمأ ولا يضحى، يعني ما يأتيه شمس فيها ولا يجوع ولا يعرى ونحو ذلك من الصفات، فهذه صفات تدل على أنَّ المكان مُغَايِرْ للأرض.

ومن الأدلة أنَّ الله - عز وجل - قال في ذكرها لَّما عصى آدم {اهْبِطَا مِنْهَا} [طه:١٢٣] ، وهذا الاهباط والخروج يقتضي أن يكون من جهةٍ عالية، والمكان الذي هو من جنسه فإنَّه وإنْ هَبَطَ منه فإنَّه ليس خارِجاً إلى غيره؛ بل هو منه إلى جنسه ولا تحصل العقوبة بالإهباط وإنَّما العقوبة بالإخراج، والله - عز وجل - جعل في القرآن هذا وهذا، الإخراج والإهباط، إلى أدلةٍ أخرى معروفة.

المقصود أنَّ قوله (خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ) الجنة واحدة هي المعروفة وكل الأدلة التي فيها ذِكْرْ الجنة الغيبية فهي دار الكرامة التي أعدَّهَا الله لعباده.


(١) - انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن والثلاثين.

<<  <   >  >>