للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي الخبر إن الله تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم

فهذه سنة الله تعالى في عباده بالتفضيل والتقديم والتأخير على ما سبقت به المشيئة الأزلية

وهذه القصص وردت في القرآن لتعرف بها سنة الله في عباده الذين خلوا من قبل فما في القرآن شيء إلا وهو هدى ونور وتعرف من الله تعالى إلى خلقه فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول قل هو الله أحد الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كفواً أحد وتارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المتكبر وتارة يتعرف إليهم في أفعاله المخوفة والمرجوة فيتلو عليهم سنته في أعدائه وفي أنبيائه فيقول ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل

ولايعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة وهي الإرشاد إلى معرفة ذات الله وتقديسه أو معرفة صفاته وأسمائه أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده

ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن فقال من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن (١) حديث دعائه لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل متفق عليه دون قوله وعلمه التأويل ورواه أحمد بهذه الزيادة وتقدم في العلم

[القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته]

اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على الأكثرين وما يدخل عليه من التشابه والإبهام غير منكشف إلا لمن علمه الله تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين فقد أنكر منكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى ثم قالوا إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل الله فينبغى أن يرضى بالكفر والمعاصى وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى

ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل

فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا ثم بحكايات أحوال الراضين


(١) حديث من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن أخرجه أحمد من حديث أبى بن كعب بإسناد صحيح ورواه البخارى من حديث أبى سعيد ومسلم من حديث أبى الدرداء نحوه لأن منتهى التقديس أن يكون واحداً في ثلاثة أمور لا يكون حاصلاً منه من هو نظيره وشبهه
ودل عليه قوله لم يلد ولا يكون حاصلاً ممن هو نظيره وشبهه
ودل عليه قوله ولم يولد ولا يكون في درجته وإن لم يكن أصلاً له ولا فرعاً من هو مثله
ودل عليه قوله ولم يكن له كفواً أحد ويجمع جميع ذلك قوله تعالى قل هو الله أحد وجملته تفصيل قول لا إله إلا الله فهذه أسرار القرآن ولا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرآن ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه نوروا القرآن والتمسوا غرائبه ففيه علم الأولين والآخرين وهو كما قال ولا يعرفه إلا من طال في آحاد كلماته فكره وصفا له فهمه حتى تشهد له كل كلمة منه بأنه كلام جبار قاهر مليك قادر وأنه خارج عن حد استطاعة البشر
وأكثر أسرار القرآن معبأة في طي القصص والأخبار فكن حريصاً على استنباطها ليكشف لك فيه من العجائب ما تستحقر معه العلوم المزخرفة الخارجة عنه
فهذا ما أردنا ذكره من معنى الأنس والانبساط الذي هو ثمرته وبيان تفاوت عباد الله فيه والله سبحانه وتعالى أعلم

<<  <  ج: ص:  >  >>