فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

شَيْءٌ مِن كِبر الجاهلية» ، فَألقَى أبو ذرٍّ خَدَّهُ على التُّرابِ، ثُمَّ قالَ: "لا أرفَعُ خَدِّي حَتَّى يطأ بلالٌ خَدِّي بِقَدَمِهِ ". والنَّاسُ اليومَ- والأمرُ لِلَّهِ- قد كَثرُت فيهم خصالُ الجاهِلِيَّةِ، فَترَاهم يُعَيِّرونَ أهلَ البلدِ كلَّهم بِما صَدَر عن واحدٍ مِنهم، فأينَ ذلكَ مِن خصالِ الجاهِلِيَّةِ؟

[الافتخار بولاية البيت]

الافتخار بولاية البيت (السادسة والثمانون) : الافْتخار بِولايَةِ البيتِ. فَذَمَّهم الله تَعالى بقولِهِ: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] وهذه الآية في [سورة المؤمنين: 66- 67] وهي بتمامِها قولُه تَعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ - مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 66 - 67] وَمَعْنى الآية على ما في التَّفسيرِ: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 66] تعليلٌ لقوله قَبلُ [65] : {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ} [المؤمنون: 65] أي: دَعوا الصُّراخَ، فإنّه لا يمنعكم منَّا، وَلا يَنفعُكم عِندنا، فقدِ ارْتكَبْتُم أمرًا عظيما، وإثما كبيرا، وهو التكذيبُ بالآياتِ، فلا يدفعُه الصُّراخ، فكنتم عند تلاوتِها: {عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} [المؤمنون: 66] أيْ: مُعرِضونَ عن سماعِها أشدَّ الإِعراضِ، فَضْلا عن تصديقِها والعملِ بها، والنُّكُوصُ: الرُّجوعُ، والأعقابُ: جمعُ عَقِبِ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، ورجوعُ الشَّخصِ على عَقبِهِ: رجوعُه في طريق الأوَّلِ، كما يقال: رَجَعَ عَوْدَه على بَدْئِه. {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} [المؤمنون: 67] أي: بالبيتِ الحرامِ، والباءُ لِلسَّبَبِيّة وسُوغ بهذا الإِضمارُ، مَعَ أنَّه لم يَجْرِ ذِكرُ اشتهار استبكارِهِم، وافتخارِهِم بأنَّهم خُدَّامُ البيتِ وقُوَّامُهُ. {سَامِرًا} [المؤمنون: 67] أيْ: تسمرونَ بذكرِ القرآنِ والطَّعنِ فيه، وذلكَ أنَّهم كانوا يَجتمعون حول البيتِ يَسْمُرونَ، وكانت عامَّةُ سَمرِهم ذكرَ القرآنِ وتسميتَه سِحْرا أو شعرا {تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] من الهجر- فتح فسكون - بمعنى القطع والترك، والجملة في موضع الحالِ، أيْ: تاركيِنَ الحَقَّ والقرآنَ أو النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلى تقديرِ عودِ الضميرِ (بِه) له، وجاءَ الهَجْرُ بمعنى الهَذَيانِ، وَجوِّزَ أنْ يكون المَعْنى عليه، أي. تَهْذونَ في شأنِ القرآنِ أو النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أو أصحابه، أو ما يعُمُّ جميعَ ذَلكَ، وَيجوزُ أنْ يكون

<<  <  ج: ص:  >  >>