<<  <   >  >>

الفصل الرابع الإدارة المالية

[خامسا: تنظيم شؤون الصناعة]

اشتهرت يثرب قبل الإسلام بزراعتها وصناعتها، وبعد الهجرة قامت حركة عمرانية واسعة، ولعل من أولى أمور الصناعة التي اهتم بها المسلمون «صناعة البناء» إذ احتاج المهاجرون إلى مساكن يسكنونها في المدينة، فخط لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم الخطط، وحدد لهم الأماكن التي يبنون عليها «1» .

قام النبي صلّى الله عليه وسلم ببناء حجرات زوجاته، وذلك من اللبن وسقفت بجريد النخل وعلى الجريد شيء من الطين «2» ، تشير المصادر إلى مجموعة من الأبنية أسست بعد الهجرة منها المسجد النبوي الشريف بالإضافة إلى أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يخط المساجد في منازل القبائل المختلفة ويوجه لهم القبلة، ويختار الأرض الصالحة للمسجد، ويحددها لهم، فقد خط رسول الله صلّى الله عليه وسلم لجهينة مسجدهم في المدينة «3» ، ويذكر السهيلي (ت 581 هـ) أن مساجد القبائل كانت تسعة عدا مسجد رسول الله، وكلها تسمع أذان بلال وتصلي بأذانه «4» .

لقد كان للنبي صلّى الله عليه وسلم مجموعة من التوجيهات التنظيمية في البناء استفاد منها الصحابة، كما أخذ عنها الفقهاء بعض الأحكام الفقهية مثل تقديم من يجيد العمل على من لا يجيده بصرف النظر عن تقوى كل منهم، فقد وفد رجل من بني حنيفة إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وكان الرجل ممن يحسنون خلط الطين. وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يعمل مع الصحابة في المسجد، فقال: «دعوا الحنفي فإنه أضبطكم للطين» «5» ، فأخذ المسحاة وأخذ يعالج الطين ويخلطه والرسول ينظر إليه ويقول: «إن هذا الحنفي لصاحب طين» «6» .


(1) البلاذري، أنساب (ج 1، ص 270) . ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان (ص 23) ، عمر بن شبة، تاريخ المدنية (ج 1، ص 246) .
(2) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج 3، ص 506) .
(3) عصر بن شبة، تاريخ المدينة (ج 1، ص 63) . وانظر: العمري، الحرف والصناعات (ص 209) .
(4) السهيلي، الروض (ج 4، ص 198) .
(5) الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج 3، ص 489) ، الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 2، ص 83) .
(6) الغزالي، فقه السيرة (ط 7) القاهرة، دار الكتب الحديثة، (1976 م) ، (ص 190) .

<<  <   >  >>