<<  <   >  >>

الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

رابعا: إجراءات الرسول صلّى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة

قدم النبي صلّى الله عليه وسلم المدينة فوجد مجتمعا يختلف عن مجتمع مكة، وجد تنافرا بين عشائر المدينة واختلافا في دياناتها «1» ، فبدأ بالتخطيط لمجتمع جديد، وكانت أول قضية تواجه الإدارة النبوية هي قضية استيعاب المهاجرين الجدد في مجتمع المدينة، فخط النبي صلّى الله عليه وسلم الدور للمهاجرين «فخط لبني زهرة في ناحية المسجد، وجعل للزبير بن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة موضع داره، ولال أبي بكر موضع دارهم، وخط لعثمان موضع داره كذلك» «2» وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يقطع أصحابه هذه القطائع مما كان من عفائن الأرض «3» ، أما ما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له، فكان يقطع من ذلك ما شاء «4» ، وتذكر المصادر أن هناك قوما لم يجدوا أماكن ينزلون فيها فأنزلهم النبي مؤخرة المسجد (الصفة) فسمّوا أصحاب الصفة «5» وكانوا يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وكانوا ما يقارب المائة، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يتعهداهم ويشرف عليهم «6» ، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم قد بنى مسجده قبل ذلك، أو أن تقسيم البيوت وبناء المسجد تم في ان معا وقد اشترى النبي صلّى الله عليه وسلم مكان المسجد واشترك هو والصحابة في بنائه فقال قائلهم:

لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل «7»

ويلاحظ أن مسجد الرسول صلّى الله عليه وسلم كان مركزا إداريّا للدولة الفتية، فمنه كان


(1) انظر: ابن رستة، الأعلاق (ص 64) ، ابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 659- 665) . السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 152- 156) .
(2) ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان (ص 23) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 270) . السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 518، 519) .
(3) عفائن الأرض: مفردها عفن أي فسد، وهو الشيء الذي فسد نتيجة الإهمال. انظر: ابن منظور، لسان العرب (ج 11، ص 288) .
(4) السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 518، 519) .
(5) انظر أخبار أهل الصفة، وأسماؤهم في: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 255، 256) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 272) (قالوا) الحاكم، المستدرك (ج 3، ص 150) (أبو هريرة) .
(6) السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 321) .
(7) ابن هشام، السيرة (ج 1، ص 496) .

<<  <   >  >>