للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَنَظَائِرِهَا، مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى الْيَتِيمِ، بُلُوغُهُ الْقُوَّةَ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مِنْ ضَعْفِ الصِّبَا، وَتِلْكَ هِيَ الْبُلُوغُ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بُلُوغُهُ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ.

وَمَا مُنِعَ الصَّبِيُّ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ إِلَّا لِضَعْفٍ فِي عَقْلِهِ بِخِلَافِ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي أَوْصَافِ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ بُلُوغَ الرَّجُلِ مُنْتَهَى حَدِّ الْقُوَّةِ فِي الرّجال وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً إِلَى الْخَمْسِينَ قَالَ تَعَالَى: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الْأَحْقَاف: ١٥] وَقَالَ سُحَيْمُ بْنُ وَثِيلٍ:

أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي ... ونجّذني مداورة الشّؤون

وَالْبُلُوغُ: الْوُصُولُ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي التَّدَرُّجِ فِي أَطْوَارِ الْقُوَّةِ الْمُخْرِجَةِ مِنْ وَهْنِ الصِّبَا.

وحَتَّى

غَايَةٌ لِلْمُسْتَثْنَى: وَهُوَ الْقُرْبَانُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَيِ التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلَى أَنْ

يَبْلُغَ صَاحِبُهُ أَشُدَّهُ أَيْ فَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النِّسَاء: ٦] الْآيَةَ.

وَوَجْهُ تَخْصِيصِ حَقِّ الْيَتِيمِ فِي مَالِهِ بِالْحِفْظِ: أَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ مَظِنَّةُ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ مِنَ الْوَلِيِّ، وَهُوَ مَظِنَّةُ انْعِدَامِ الْمُدَافِعِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ إِلَّا وَلَهُ مِنَ الْأَقَارِبِ وَالْمَوَالِي مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ إِذَا اسْتَجَارَهُ أَوِ اسْتَنْجَدَهُ، فَأَمَّا الْيَتِيمُ فَإِنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَهُوَ وَلِيُّهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلِي الْيَتِيمَ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْأَوْلِيَاءُ يَتَوَسَّعُونَ فِي أَمْوَالِ أَيْتَامِهِمْ، وَيَعْتَدُونَ عَلَيْهَا، وَيُضَيِّعُونَ الْأَيْتَامَ لِكَيْلَا يَنْشَأُوا نَشْأَةً يَعْرِفُونَ بِهَا حُقُوقَهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [الضُّحَى: ٦] لِأَنَّ الْيَتِيمَ مَظِنَّةُ الْإِضَاعَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُوَصِّ اللَّهُ تَعَالَى بِمَالِ غَيْرِ الْيَتِيمِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَسْتَدْفِعُ بِأَوْلِيَائِهِ وَمُنْجِدِيهِ.

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ.