للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَالُ فِي ابْتِدَاءِ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَبِقَدْرِ مَا يُسْمَحُ بِهِ رَجَاءُ الِاهْتِدَاءِ مِنْ طَرِيقِ اللِّينِ، فَإِنْ هُمْ قَابَلُوا الْحُسْنَى بِضِدِّهَا انْتَقَلَ الْحُكْمُ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ. والَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَابَرُوا وَأَظْهَرُوا الْعَدَاءَ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَأَبَوْا أَنْ يَتَلَقَّوُا الدَّعْوَةَ فَهَؤُلَاءِ ظَلَمُوا النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمَيْنِ حَسَدًا وَبُغْضًا عَلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِنَسْخِ شَرِيعَتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَكِيدُونَ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَشَأَ مِنْهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَكُلُّ هَذَا ظُلْمٌ وَاعْتِدَاءٌ.

وَقَدْ كَانَ الْيَهُودُ قَبْلَ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُسَالِمِينَ الْإِسْلَامَ وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ

كَمَا قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟

فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ»

. فَلَمَّا جَاءَ الْمَدِينَةَ دَعَاهُمْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ قَدِمَ فِيهِ وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَأَخَذُوا مِنْ يَوْمِئِذٍ يَتَنَكَّرُونَ لِلْإِسْلَامِ.

وَعَطْفُ وَقُولُوا آمَنَّا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ تَعْلِيمٌ لِمُقَدِّمَةِ الْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

وَهَذَا مِمَّا يُسَمَّى تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَتَقْرِيبُ شُقَّةِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ تَأْصِيلُ طُرُقِ الْإِلْزَامِ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى كَذَا وَكَذَا فَلْنَحْتَجَّ عَلَى مَا عَدَا ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا أُمِرُوا بِقَوْلِهِ هُنَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّبِيلَ إِلَى الْوِفَاقِ وَلَيْسَ هُوَ بِدَاخِلٍ فِي حَيِّزِ الْمُجَادَلَةِ لِأَنَّ الْمُجَادَلَةَ تَقَعُ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ وَلِأَنَّ مَا أُمِرُوا بِقَوْلِهِ هُنَا هُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُونَ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُجَادَلَةُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِمَّا يُخَالِفُ عَقَائِدَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. [آل عمرَان: ٦٥- ٦٧] . وَلِأَجْلِ أَنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْمُجَادَلَةِ عُطِفَتْ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا

شَمِلَتْهُ الْمُجَادَلَةُ لَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا فَصْلَهَا لِأَنَّهَا مِثْلُ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ.

وَمَعْنَى بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا الْقُرْآنُ. وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خَطَأِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذْ جَحَدُوا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ