للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجرير والأخطل، وهو يومئذ أمير: ألا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزّقوا أعراضهم، وهتكوا أستارهم، وأغروا بين عشائرهم في غير خير ولا برّ ولا نفع، أيهم أشعر؟ فقال شبة: أما جرير فيغرف من بحر، وأما الفرزدق فينحت من صخر، وأما الأخطل فيجيد المدح والفخر. فقال هشام: ما فسّرت لنا شيئا نحصّله، فقال: ما عندي غير ما قلت، فقال لخالد بن صفوان: صفهم لنا يا ابن الأهتم، فقال: أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا، وأسيرهم مثلا [١] ، وأقلهم غزلا، وأحلاهم عللا، الطامي إذا زخر، والحامي إذا زأر، والسامي إذا خطر، الذي إن هدر قال، وإن خطر صال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلهم فوتا، الذي إن هجا وضع، وإن مدح رفع فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقهم شعرا، وأهتكهم لعدوه سترا، الأغر الأبلق، الذي إن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق فجرير، وكلهم ذكيّ الفؤاد، رفيع العماد، واري الزناد.

فقال له مسلمة بن عبد الملك: ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأولين ولا رأينا في الآخرين وأشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا، وأعفّهم مقالا، وأكرمهم فعالا.

فقال خالد: أتمّ الله عليكم نعمه، وأجزل لديكم قسمه، وآنس بكم الغربة، وفرّج بكم الكربة، وأنتم والله ما علمت أيها الأمير كريم الغراس، عالم بالناس، جواد في المحل، بسّام عند البذل، حليم عند الطيش، في ذروة قريش، ولباب عبد شمس، ويومك خير من أمس. فضحك هشام وقال: ما رأيت كتخلصك يا ابن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم حتى أرضيتهم جميعا.

وعن عمر بن شبة [٢] قال مرّ خالد بن صفوان بأبي نخيلة الشاعر الراجز وقد بنى دارا، فقال له أبو نخيلة: يا أبا صفوان كيف ترى داري؟ قال: رأيتك سألت فيها إلحافا، وأنفقت ما جمعت لها إسرافا، جعلت إحدى يديك سطحا، وملأت الأخرى سلحا، فقلت من وضع في سطحي، وإلّا ملأته بسلحي. ثم ولّى وتركه، فقيل له ألا تهجوه؟ فقال: إذن والله يركب بغلته ويطوف في مجالس البصرة ويصف أبنيتي بما يعيبها.


[١] م: وأشدهم ميلا.
[٢] الأغاني ٢٠: ٣٦٣ وخطب خالد: ١٠٨- ١٠٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>