للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[أداء مناسك الحج]

وفي الثامن من ذي الحجة يوم التروية ذهب محمد إلى منى، فأقام بخيامه فيها وصلى فروض يومه بها وقضى الليل حتى مطلع الفجر من يوم الحج، فصلى الفجر وركب ناقته القصواء حين بزغت الشمس ويمّم بها جبل عرفات والناس من ورائه. فلمّا ارتقى الجبل أحاط به ألوف المسلمين يتبعونه في مسيرته، ومنهم الملبّي ومنهم المكبّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. وضربت للنبي قبة بنمرة، (قرية بشرق عرفات) ، وكان ذلك بعض ما أمر به. فلمّا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، وهناك نادى في الناس وما يزال على ناقته بصوت جهوريّ كان يردّده مع ذلك من بعده ربيعة بن أميّة بن خلف وهو يقف بين عبارة وأخرى قائلا بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

[خطبة الرسول الجامعة]

«أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.

«أيها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا.

«وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلّغت.

«فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها.

«وإنّ كل ربا موضوع «١» ، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.

«قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا عبّاس بن عبد المطلب موضوع كلّه.

«وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأن أوّل دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ...

«أمّا بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا. ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.

«أيها الناس، إنّ النسىء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرم الله فيحلّوا ما حرم الله ويحرّموا ما أحل الله.

«وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية ورجب مفرد الذي بين جمادي وشعبان.

«أمّا بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقّا ولهن عليكم حقّا، لكم عليهن ألّا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألّا يأتين بفاحشة مبيّنة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرّح. فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان «٢» لا يملكن لأنفسهن شيئا. وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله.

«فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلّغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا أمرا بينا: كتاب الله وسنّة رسوله.


(١) أي مهدر.
(٢) عوان: أسرى أو كالأسرى، الواحدة عانية.

<<  <   >  >>