للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً «١» .

ولا شك أن هذه الأثارة من بقايا الوثنية تبقي، وإن لم تكن سائدة مسيطرة، وإنك لترى أن بعض المتدينين بديانات سماوية يبقى فى نفوسهم بعد اعتناقها بقايا أشربت بها نفوسهم، وتجرى اثارها فى بعض ارائهم، وإذا لم تصل إلى أن تكون رأيا يقنع، فإنها قد تكون تقليدا يتبع.

الثانية من جيرانهم الرومان. فإن الوثنية الرومانية كانت على مقربة من العرب من قبل المسيح ومن بعده، فعدوى العقائد تسرى كعدوى الأمراض، ومن الاختلاط الذى كان بين بعض العرب والرومان فى الاتجار كانت العقائد الدينية تجيء إليهم، وخصوصا أن دولة الرومان كانت أقوى سلطانا من الجماعات العربية، وأن بعض القبائل العربية كانت تخضع لسلطان الروم، كالغساسنة، فإنهم كانوا تحت سلطان الرومان، وكانت لهم تبعية للرومان، ووراء هذه التبعية الاختلاط، ووراء الاختلاط العدوى.

والناحية الثالثة ذكرها ابن إسحاق صاحب السيرة فقال:

«يزعمون أن أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت والتمسوا الفسيح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتي أدي ذلك إلي أن كانوا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة وأعجبهم، حتي خلفت من بعدهم خلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا أبعد ما كانت عليه الأمم من الضلالات» .

ويذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه أن ابن هشام قال: «حدثني أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلي الشام، فلما قدم ماب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق راهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فتمطرنا، ونستنصر بها فتنصرنا. فقال لهم: ألا تعطونني منها صنما، فأسير به إلي أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة ونصبه وأمر الناس بعبادته» .

وعمرو بن لحي هذا كان سيد خزاعة، وكانت لخزاعة سدانة البيت الحرام، فكان لها بهذا سلطان في التوجيه. يعظمون ما تعظمه.

وإن هذا يدل علي مقدار العدوي التي جاءت من الرومان، فما كان في الشام إنما هو من أثر وثنية الرومان، وإن ذلك يؤكد أن وثنية العرب كان للعدوى أثر فيها وإن كان ثمة أسباب قوتها.

ومهما تكن الأسباب فقد توافرت، حتى دخلت الوثنية الأرض العربية، وبين ذرية إبراهيم حاطم الأوثان الذي جعلها جذاذا.


(١) سورة نوح: ٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>