للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا شك أن الجواب لا يبرر العمل، ودل على شيء غير قليل من الضعف النفسي، فوفوده وأهله بينهم من قبل الحديبية، ولعلهم وصلوا إلى مكة المكرمة فى مدتها، وفى كلتا الحالين، ما كانت البواعث الشخصية تسوغ مخالفة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو القائد الأعلى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا تعريض الجيش للأذى، والاستعداد له ومواجهته، وقد تدول الدولة لأعدائه.

ولذلك لم يستسغ عمر رضى الله عنه ذلك، بعد أن لم يستسغه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولذلك قال عمر رضى الله تعالى عنه: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، ولكن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم الذى لم يستسغ ذلك العذر، خالف عمر، وقال معتذرا عن حاضره بماضيه فى بدر: ما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أصحاب يوم بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم.

ما يرد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن فعلته التى فعلها، ولكنه يلومه فى عبارات رقيقة عاطفة إن ماضيه ينهاه عن حاضره، وأظن أن ذلك القول، أروع من قول الفاروق عمر.

ولقد قالوا إنه نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ، أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي، وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ، وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً، وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنا بِكُمْ، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

(الممتحنة- ١: ٤) .

وإذا كان ثمة أمر يسهل أن يرتكب الصحابى البدرى ذلك، فليس هو النفاق، ولكن المدة التى سهلت الالتقاء أحيت ما كان من مودة قديمة، فسال سيله فى طريقها حتى وقع فى هذا الخطأ، بل الخطيئة، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد جعل ماضى أمره مسقطا لذنب حاضره وهو الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم المؤلف بين القلوب، الجامع لها، وهو بالمؤمنين رؤف رحيم.

<<  <  ج: ص:  >  >>