<<  <   >  >>

[فتح مكة]

بدأت قريش تزداد يقينا، يوما بعد يوم، بأن شروط صلح الحديبية لم تكن في صالحها، وأنها إذا ما ظلت ملتزمة بها فسوف تجد نفسها في يوم قريب أو بعيد وحيدة عزلاء وسط بحر إسلامي تضرب أمواجه حدود أمبراطوريتي العالم القديم وتكتسح مواقع الوثنية البائدة. وحتى الشرط الذي ظنته لصالحها وظنه المسلمون إذلالا لهم، ذلك الذي يعطي قريشا الحق في استرداد من يلحق بالمسلمين ويحجب هذا الحق عن المسلمين، حتى هذا الشرط أخذ يلحق بمشركي مكة متاعب صارت تزداد مع الأيام.

فالمضطهدون الهاربون من قبضة قريش كانوا يجدون أنفسهم ملزمين بعدم الالتحاق بإخوانهم ودولتهم الجديدة في المدينة وإلا ردوا إلى مضطهداهم تنفيذا للعهد، فكانوا يلجؤون إلى جبال تهامة المطلّة على طريق القوافل المكية إلى الشام، ويقومون من هناك بحروب عصابات ضد القوافل القرشية الذاهبة والآتية من الشام، فيقتلون حراسها وأصحابها ويغنمون أموالها، وكان يقودهم في نشاطهم هذا فدائي مسلم يدعى (أبا بصير) كان قد فرّ من مضطهديه في مكة إلى المدينة إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم رده بصحبة اثنين من حراس مكة جاآ لكي يعيداه إلى سادته فقتل أحدهما واضطر الآخر إلى الفرار، ثم انطلق صوب جبال تهامة لكي يبدأ من هناك حربه ضد قريش، وأخذ يلتحق به كل هارب من جحيم الوثنية «1» .

وما لبثت قريش أن وجدت نفسها مسوقة إلى أن تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم إلغاء هذ الشرط فأجابها إلى ما أرادت، ولكن الأيام مضت وقريش تزداد عزلة وتوترا


(1) انظر: الطبري 2/ 638- 639 الواقدي 2/ 624- 629 المقريزي: إمتاع الأسماع 3/ 304- 305.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير