للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الإيمان، ويقال للحياء شعبة من شعب الإيمان، ويقال لإزالة الحجر من طريق المسلمين شعبة من شعب الإيمان.

ولم يبين هنا - صلى الله عليه وسلم - أعلا شعب الإيمان أو أدناها لكن بين - صلى الله عليه وسلم - أعلاها وأدناها في حديث آخر كما ثبت في الصحيح أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «أعلاها لا إله إلا الله» (١) ، وفي رواية: «أفضلها لا إله إلا الله» (٢) ، وفي رواية: «أعظمها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذي عن الطريق» (٣) ، وفي رواية: «إماطة العظم عن الطريق» (٤) فبين - صلى الله عليه وسلم - أن أعلا الشعب التوحيد على كل مكلف، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته وإن أدناها ما يتوقع منه ضرر للمسلمين، وبقي بينهما تمام العدد فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده كما نؤمن بالأنبياء والملائكة وإن لم نعرف أعيانهم وأسمائهم.

وقد صنف العلماء في تعيين هذه الشعب كتباً كثيرة من أعظمها منهاج الحليمي (٥) .


(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١/٤٢٠، رقم ١٩١) ، والطبراني في المعجم الأوسط (٩/٢٠، رقم ٩٠٠٤) ، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/١٦٩، رقم ٣٠٤١٦) ، وابن منده في الإيمان (١/٣٣٤، رقم ١٧١) عن أبي هريرة.
(٢) هذه الرواية عند البخاري في الأدب المفرد (ص ٢٠٩، رقم ٥٩٨) ، وأبو داود في سننه (٤/٢١٩، رقم ٤٦٧٦) ، والنسائي في سننه (٨/١١٠، رقم ٥٠٠٤) ، وأحمد في مسنده (٢/٤١٤، رقم ٩٣٥٠) ، وابن منده في الإيمان (١/٢٩٧، رقم ١٤٧) ، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/٤٢٩، رقم ٤٢٨) .
(٣) هذه اللفظ عند ابن أبي شيبة في المصنف (٥/٢١٢، رقم ٢٥٣٣٩) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الإيمان بضع وستون باباً أو بضع وسبعون باباً أعظمها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .
(٤) هذه الرواية عند أبو داود في سننه (٤/٢١٩، رقم ٤٦٧٦) ، وأحمد في مسنده (٢/٤١٤، رقم ٩٣٥٠) .
(٥) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/١٢١) : قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان.
ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه.
وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره، وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن.
فأعمال القلب: فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته، والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير، وترك الكبر والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغصب.
وأعمال اللسان: وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
وأعمال البدن: وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة، منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حساً وحكماً، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضاً ونفلاً، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف، والصيام فرضا ونفلاً، والحج، والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحري في الإيمان، وأداء الكفارات.
ومنها ما يتعلق بالاتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة أو الرفق بالعبيد.
ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذي عن الناس، واجتناب اللهو وإماطة الأذي عن الطريق، فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعاً وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر. والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>