للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الأعمال، لأنه جمع، واللام فيه للاستغراق، وهو مستلزم للحصر، إذ معناه: كل عمل بالنية فلا عمل إلا بالنية، ولا يصدق كل عمل بالنية، وإنما على هذا القول لا تفيد إلا التأكيد، وهذا مثل: صديقي زيد، فإن الحصر فيه مستفاد من عموم المبتدأ المضاف إلى المعرفة وخصوص خبره، و «إنما الأعمال بالنيات» الحصر فيه من عموم المبتدأ باللام وخصوص خبره.

وقيل: الحصر فيه من «إنما» ، وهو حصر المبتدأ في الخبر، ويعبر عنه البيانيون بقصر الموصوف على الصفة، وربما عبروا عنه بقصر المسند إليه على المسند.

والقول بأن «إنما» تفيد الحصر هو ما ذهب إليه الأكثرين، ونقله البلقيني عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير منهم أن «إنما» تفيد الحصر استعمالها موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى ?إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ? [التحريم: ٦] وقوله ?أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ? [المائدة: ٩٢] وقال: ?مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ? [المائدة: ٩٩] .

وهل «إنما» تفيد الحصر بالمنطوق وبالمفهوم قولان، الأكثر على أنها تفيده بالمنطوق قاله ابن السبكي.

وقال شرذمة قليلون: «إنما» تفيد بالمفهوم.

ومعنى الحصر في «إنما» إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه أي: أن العبادة إذا صحبتها النية صحت، وإذا لم تصحبها لم تصح (١) .


(١) زاد ابن حجر على هذا المبحث المتعلق بإنما مسائل مهمة فقال في الفتح (١/٥٢) : واختلفوا: هل هي بسيطة أو مركبة، فرجحوا الأول، وقد يرجح الثاني، ويجاب عما أورد عليه من قولهم: إن «إن» للإثبات و «ما» للنفي، فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد، بأن يقال مثلاً: أصلهما كان للإثبات والنفي، لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما، بل أفادا شيئا آخر.
أشار إلى ذلك الكرماني قال: وأما قول من قال: إفادة هذا السياق للحصر، من جهة أن فيه تأكيداً بعد تأكيد، وهو المستفاد من «إنما» ومن الجمع. فمتعقب بأنه من باب إيهام العكس، لأن قائله لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد، ظن أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر.
وقال ابن دقيق العيد: استدل على إفادة «إنما» للحصر بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: «إنما الربا في النسيئة» ، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر.
وتُعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزلا. وأما من قال: يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله: «لا ربا إلا في النسيئة» لورود ذلك في بعض طرق الحديث المذكور، فلا يفيد ذلك في رد إفادة الحصر، بل يقويه ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد، وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه.
وأوضح من هذا حديث: «إنما الماء من الماء» فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضهم في الحكم من أدلة أخرى كحديث: «إذا التقى الختانان» .
وقال ابن عطية: «إنما» لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه، فجعل وروده للحصر مجازاً يحتاج إلى قرينة، وكلام غيره على العكس من ذلك، وأن أصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص، كقوله تعالى: ? إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ? [المائدة: ١٧١] فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلا فلله سبحانه صفات أخرى كالعلم والقدرة، إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي -فيما يقال- السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقاً.

<<  <  ج: ص:  >  >>