<<  <  ج: ص:  >  >>

المبحث الثاني:

العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع

لفظة "عن" صيغة أداء، استعملت في الأسانيد المتصلة، كما أنها أيضاً استعملت في الأسانيد غير المتصلة، وهي في حد ذاتها لا تُفيد الاتصال كما أنها أيضاً لا تُفيد عدم الاتصال، فهي تستعمل في الأمرين كليهما.

وقد كَثُر ورودها في الأسانيد المُدلسة والمنقطعة، واستعملها المُدِلسون في أسانيدهم غير المتصلة، كذلك المُرسِلون استعملوها في أسانيدهم المُرسلة، قال الخطيب البغدادي: (وقول المحدث: ثنا فلان قال ثنا فلان أعلى منزلة من قوله ثنا فلان عن فلان. إذ كانت "عن" مستعملة كثيرة في تدليس ماليس بسماع) (1) .

وقال ابن الصلاح ـ في معرض كلامه عن المُدلِّس ـ (ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: "أخبرنا فلان" ولا " حدثنا" وما أشبهها، وإنما يقول: " قال فلان" أو " عن فلان" ونحو ذلك) (2) .

فالإتيان بلفظة "عن" فيما لم يُسمع من الأسانيد المرسلة والمنقطعة؛ معروف ومُشتهر بين الحديثين، وهو من عادتهم في الرواية بالعنعنة (3) .

لهذا لم يُنقل عن أحدٍ من أهل العلم بالحديث ونقده الحكم باتصال السند المعنعن بدون أي شروط، والذي نُقل عن الأئمة النقاد والحفاظ هو الحكم باتصال السند المعنعن ولكن بشروط سَهَّل بعضهم فيه كالإمام مسلم، وتوسط بعضهم فيها واحتاط كالإمام البخاري، ولكنهما لم يحكما باتصال السند المعنعن إلا بشروط مُعينة.


(1) الكفاية في علم الرواية (ص325 ـ 326) .
(2) علوم الحديث (ص66) .
(3) السنن الأبين لابن رشيد (ص22) والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (2/584) .

<<  <  ج: ص:  >  >>