للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[مبحث مراعاة الشريعة لحال المجرم.]

-ومما ينبغي ملا حظته أن إقامة الحد بالجلد يجب أن يراعى فيها حال المجرم، واحتماله للعقوبة، فإذا كان جسمه ضعيفاً لا يحتمل، أو كان مريضاً، فإنه يؤخر إلى أن يقوى على احتمال العقوبة، فإذا كان ضعفه طبيعياً بحيث لا يرجى له قوة، فإنه يجمع له أعواد بقدر العقوبة، ويضرب بها مرة واحدة. وهذا هو رأي جماهير العلماء. ومن هذا كله يتضح لك أن الشدة في العقوبة إنما هي بالنسبة للفجار الأقوياء، الذين يؤذون الناس، بما يوجب حقدهم عليهم، وعدم الصفح عنهم، وهؤلاء شرهم على أنفسهم، وعلى المجتمع شديد، فلا ينبغي لأحد أن يرحمهم في أي زمان ومكان (١)


مبحث إقامة الحد
ولا يستوفي حد القذف إلا بحضرة الإمام، أو نائبه، لاحتياجه إلى النظر، والاجتهاد في شأنه ومن تكرر منه السرقة منه السرقة، أو الزنا، أو الشرب، فحد فهو للكل، وتتداخل الحدود.
أما لو زنى، وسرق، وقذف وشرب، فإنه يحد على كل واحد منها حداً على حدة. لأنه لو ضرب لأحدهما فربما اعتقد أنه لا حد في الباقي، فلا ينزجر عنها. ولا كذلك إذا احدث الجناية.
اجتماع الحدود
وإذا اجتمع حد الزنا، والسرقة والشرب، والقذف، وفقء العين مثلاً يبدأ الحاكم بالفقء أولاً فإذا برىء يحد بالقذف، لما فيه من حق العبد، ويحبس حتى يبرأ لأنه لو جمع عليه بين حدين، ربما تلف، والتلف ليس بواجب على الضارب، فإذا برىء، فللإمام الخيار، إن شاء بدأ بالقطع، وإن شاء بحد الزنا لتساويهما في الثبوت. وآخرها حد الشرب لأنه ثبت بالسنة، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم واجماع الصحابة رضوان الله عليهم.
وإن كان الجاني محصناً بدأ الحاكم بالفقء، ثم حد القذف، ثم الرحم، ويسقط الباقي لأن القتل يأتي على النفس، فيؤدي إلى إسقاط بعض الحدود.
ومن حده الإمام، أو عزره فمات من أثر الجلد، فدمه هدر لأنه مأمور من جهة الشرع بإقامة الحد، فلا يقيد بالسلامة، ولأنه يسوف بحقه الله تعالى بأمره. فكأن الله تعالى أماته بغير سلطان، فلا يجب الضمان.
اتفق الفقهاء: على أن السكران إذا قذف انساناً بالزنا في حالة السكر، فإنه يحاسب على هذا القذف، ويعاقب عليه، ويقام عليه حد القذف بعد صحوه، إذا طلب المقذوف إقامة الحد) .
-
(١) (الحنفية، والشافعية، والحنابلة قالوا: إن حد القذف اخف من جميع الحدوده، لأن سببه

<<  <  ج: ص:  >  >>