فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[مرض وعافية]

ثم عاد نور الدين إلى حلب، فمرض بها في سنة أربع وخمسين مرضاً شديداً، بقلعتها، وأشفى على الموت، وكان بحلب أخوه الأصغر نصر الدين أمير أميران محمد بن زنكي، وأرجف بموت نور الدين، فجمع أمير أميران الناس، واستمال الحلبيين، وملك المدينة دون القلعة، وأذن للشيعة أن يزيدوا في الأذان: حي على خير العمل محمذ وعلي خير البشر، على عادتهم من قبل، فمالوا إليه لذلك.

وثارت فتنة بين السنة والشيعة، ونهب الشيعة مدرسة ابن عصرون وغيرها من أدر السنة، وكان أسد الدين شيركوه بحمص، فبلغه ذلك فسار إلى دمشق ليغلب عليها، وكان بها أخوه نجم الدين أيوب فأنكر عليه ذلك، وقال: أهلكتنا والمصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حياً خدمته في هذا الوقت، وإن كان مات فأنا في دمشق، وتفعل ما تريد.

فعاد مجدا إلى حلب، فوجد نور الدين وقد ترجح إلى الصلاح، فأجلسه في طيارة مشرفة إلى المدينة، بحيث يراه الناس كلهم، وهو مصفر الوجه من المرض، ونادوا إلى الناس: هذا سلطانكم. فقال بعضهم: ما هذا نور الدين، بل هو فلان يعنون رجلاً كان يشبهه وقد طلى وجهه بصفرة، ليخدعوا الناس بذلك ولما تحقق أمير أميران عافية أخيه خرج من الدار التي كان بها تحت القلعة، وبيده ترس يحميه من النشاب، وكان الناس قد تفرقوا عنه، فسار إلى حران، فملكها.

وسير نور الدين إلى قاضي حلب، جدي أبي الفضل هبة الله بن أبي جرادة، وكان يلي بها القضاء والخطابة والإمامة، وقال له: تمضي إلى الجامع، وتصلي بالناس، ويعاد الأذان إلى ما كان عليه.

<<  <   >  >>