للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[التقاء الجيشين]

وكان مالك بن عوف قد سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، فأعدوا أنفسهم، وكمنوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى نزلوا بالوادي في عماية الصبح، وإنهم لكذلك إذ شدت عليهم قبائل هوازن وثقيف شدة رجل واحد، وخرج من كان مستترا في شعاب الوادي ومضايقه، وأمطروهم بالسهام، فاختلط أمر المسلمين وأذهلتهم المفاجأة، فلووا أعنة خيلهم وأزمة إبلهم متقهقرين لا يلوون على أحد حتى وصلت فلول المنهزمين إلى مكة.

[ثبات الرسول]

ورأى رسول الله الجيش على كثرته قد اختل نظامه، واضطرب أمره، وولّى الكثيرون الأدبار، فماذا يصنع؟ إنه ليعلم أنه رسول الله وأنه ناصره، وأنه البطل الذي لم يعرف عنه الفرار قط، فعزم على الثبات ولو أن يكون واحده، وثبت رسول الله، وصار يركض بغلته البيضاء ركضا في نحر العدو «١» ، والعباس عم الرسول اخذ بلجامها يكفها به إرادة ألاتسرع وأبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول اخذ بركابه ينافح عنه، ورسول الله ينادي: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» «٢» وكان من دعائه في هذا اليوم: «اللهم أنزل نصرك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض بعد اليوم» .


(١) قال الحافظ في الفتح: ومما ينبه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك «أيلة» ، لأن ذلك كان في تبوك، وغزوة حنين كانت قبلها. وقد وقع في مسلم من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته في حنين أهداها له فروة بن نفاثة- بضم النون بعدها فاء خفيفة ثم مثلاثة- وهذا هو الصحيح. وذكر أبو الحسين بن عيدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين «دلدل» وكانت شهباء أهداها له المقوقس. وأن التي أهداها له «فروة» يقال لها «فضة» ذكر ذلك ابن سعد، وذكر عكسه. والصحيح ما في مسلم (فتح الباري، ج ٦ ص ٥٧) وفروة كان عاملا للروم على بلاد «معان» وما جاورها من بلاد الشام.
(٢) انتسب إلى جده لأنه كان أشهر وأذكر عند العرب. أما أبوه فقد مات وهو شاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>