للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[التشكيك في قصة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)]

قد ذكرت انفا قصة إبراهيم- عليه السلام- وإسكانه هاجر وابنها إسماعيل بواد ليس به ماء، ولا أنيس عند مكان البيت، وذكرت الايات القرانية التي تفيد القطع في هذا، وذكرت القصة تامة وافية كما رواها الإمام البخاري عن ابن عباس، وهذه القصة يكاد ينعقد الإجماع على جملتها وإن وقع خلاف على التفاصيل، والذين يعرضون لتفاصيل حوادثها بالنقد يروونها على أن هاجر ذهبت بإسماعيل إلى الوادي الذي به مكة اليوم، وكانت به عيون أقامت جرهم عندها، فنزلت هاجر منهم أهلا وسهلا لما جاء إبراهيم بها وبابنها، فلما شبّ إسماعيل تزوج جرهمية ولدت له أولاده، وكان لهذا التلاقح بين إسماعيل العبري المصري، وبين هؤلاء العرب ما جعل ذريته على جانب من العزم، وقوة البأس، والجمع بين فضائل العرب، والعبريين، والمصريين.

أما ما ورد عن حيرة هاجر لما نضب الماء منها، وعن سعيها سبعا بين الصفا والمروة، وعن زمزم، وكيف نبع الماء منها فموضع شك عندهم «١» .

والذي نراه أن ما دلّت عليه رواية البخاري في صحيحه هو الصحيح، وأن التسلسل التاريخي فيها أدق وأوضح ولا سيما أن قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام:

رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ «٢» رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) «٣» .

يكاد يكون نصا على أنه لم يكن هناك ناس، ولا زرع، ولا ماء، ومن


(١) حياة محمد، ص ٨٩.
(٢) إن كان هذا الخطاب والدعاء بعد البناء فالاية على ظاهرها وإن كان قبل البناء فالمراد عند مكان بيتك الذي سيكون ويا بنى فيما بعد.
(٣) الاية ٣٧ من سورة إبراهيم.

<<  <  ج: ص:  >  >>