للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا- والله- لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.

ولكن بلالا لا يعبأ بالالام ولا بالبلاء، ويأبى إلا أن يعلن عن صادق إيمانه، فلا ينفك يردد ويقول: «أحد. أحد» فتمتزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان!! فإذا حلاوة الإيمان تطغى على مرارة العذاب، وكان يقول: «لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها» وقد هانت نفس بلال عليه في الله، فتحمل ما تحمل بقلب مؤمن، ونفس راضية مطمئنة، حتى صار مثلا يحتذى، كلما ذكر المجاهدون والمعذبون.

وهان هو على مواليه فكانوا يجعلون في عنقه حبلا، ويدفعون به إلى الصبيان يلعبون به، حتى أثر الحبل في عنقه، فما صرفه ذلك عن دينه، ويسرف أمية بن خلف الطاغية في التنكيل ببلال وسومه سوء العذاب، ويزداد بلال إيمانا واستعذابا لألوان العذاب، حتى مر به الصّديق أبو بكر- رضي الله عنه- فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟! «١» فقال له: أنت الذي أفسدته، فأنقذه مما ترى، فقال الصّديق: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هو لك، فأعطاه سيدنا أبو بكر- رضي الله عنه- غلامه ذلك، وأخذ بلالا فأعتقه لوجه الله!!

وهذه الأسرة الياسرية: عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سمية بنت خباط «٢» مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وكان ياسر حليفا له فزوّجه سمية، فولدت له عمارا، فأعتقه، وكان بنو مخزوم يخرجون بهم إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، ويلبسونهم دروع الحديد المحماة بالنار، فما وهنوا ولا استكانوا، وكان يمر بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم يعذبون، فما يملك لهم إلا أن يحثهم على الثبات والصبر، فيقول: «صبرا ال ياسر فإن موعدكم الجنة» .

ولما اشتكى له عمار قائلا: يا رسول الله بلغ منا العذاب كل مبلغ، فقال له:


(١) يعني إلى أي وقت يدوم هذا العذاب؟!
(٢) بضم الخاء، وباء مواحدة مشددة، ويقال بمثناة تحتية، وهي غير سميّة أم زياد.

<<  <  ج: ص:  >  >>