للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[مشورات حكيمة]

لما نزل النبي بالمسلمين هذا المنزل قال الحباب «١» بن المنذر الخزرجي وكان معروفا بجودة الرأي والدربة في الحروب- لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال الرسول: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» ، فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من الابار، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله: «لقد أشرت بالرأي» ، ونفّذ ما أشار به الحباب.

وقد دلّل النبي بهذا على تأصل روح الشورى في نفسه الشريفة فيما لم ينزل فيه وحي، وأنه على جلالة قدره، ووفور عقله، وبعد نظره لا يستبد برأيه، ولا يأنف من الرجوع إلى الحق، كما هو شأن الكثيرين من القادة والزعماء والسياسيين، فإن الواحد منهم قد يودي بأمة في سبيل التشبث برأي قد يكون خطأ، وما ذلك إلا لأنه نبي يتبع ما يؤمر به، وصدق الله:

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ «٢» .

ومن المشورات الصائبة، مشورة سعد بن معاذ الأوسي، فقد قال:

(يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلّف عنك أقوام ما نحن بأشد حبّا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك ويجاهدون معك) . فأثنى عليه النبي خيرا، ودعا له بخير، ثم بني


(١) الحباب: بضم الحاء المهملة وفتح الباء المواحدة المخففة.
(٢) سورة ال عمران: الاية ١٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>