للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أثر «١» ، ومطاردة وصلت أبواب الغار، فكان أبو بكر يرى أقدامهم، ولا يرونه؛ فقال: لو أن أحدا نظر إلى موضع قدمه لأبصارنا. فقال له صلّى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا» «٢» .

فحماهما الله من كيدهم، وعاد المطاردون بعدما صدّتهم- بإرادة الله- أصناف من الحيوان الضعيف، قام مقام الجيش الكثيف، فارتدوا خائبين إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التّوبة: ٤٠] .

وبعد أيام ثلاثة جاء عامر بن فهيرة، يخدمهم، ويعاونهم في الطريق «٣» . وأقدم الدليل في المساء بجملين (وثالث له) . فسار بهما ممعنا في الجنوب أيضا، ثم اتجه غربا نحو ساحل البحر الأحمر، مصعّدا شمالا إلى المدينة المنورة، في طريق غير معروفة. واستمر الركب يغذّ السير طوال الليل وشطر النهار، كي يبتعد عن مكامن الطلب والمطاردة، القادمة من مكة وما حولها. خطا ذلك بخطوات سريعة في جنح الظلام. وبعد بذل غاية الطاقة، وفي الساعات الحرجة، أو التي تنعدم فيها فعالية الجهد الإنساني، وقد بذل الجهد الماثل في تحقيق شيء، تتولّى العناية الإلهية الإحاطة بها كما هي منذ البداية، تغشاه وترعاه، فكيف وهنا دعوة ونبوة ورسالة؟!

ولقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحوز كامل الاطمئنان، وهو في قمة الخطر،


(١) أخرجه البخاري، نفسه. سيرة ابن هشام، نفسه.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم، رقم (٣٤٥٢- ٣٤٥٣) . زاد المعاد (٣/ ٥٣) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٠) .
(٣) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم رقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤) . إمتاع الأسماع (١/ ٤٢) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٧- ٤٨٨) . زاد المعاد (٣/ ٥٥) . سيرة الذهبي (٣٢٦) .

<<  <   >  >>