للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولكن الإمبراطور الكبير المنتصر على الفرس، والذي كان يعد أقوى رجل في العالم في ذلك الوقت، ودولته أقوى دولة في الدنيا، عز عليه أن يفارق دينه النصراني ويؤمن بنبي من العرب، مع أنه اعترف بصدق رسالته، فقد روى الطبري أنه جمع كبار أهل مملكته وبطارقته، وقال لهم: «إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، إنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه، ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا» «١» ، لكن قومه لم يطاوعوه.

ولو وقف الأمر به وبهم عند عدم الإيمان برسالة الإسلام وتركوا المسلمين يدعون الناس إلى دينهم في حرية وأمان، لما حدثت حروب بينهم وبين المسلمين، ولكن الجيش الرومي العرمرم الذي كان عدده نحو ثلاثمائة ألف، ومعظمه معسكر في الشام لإرهاب الفرس، وتثبيت انتصاراته عليهم.

هذا الجيش لم يترك المسلمين في حالهم، بل تدخل ضدهم تدخلا سافرا في غزوة مؤتة سنة (٨ هـ) بدون داع، وكاد يقضي على الجيش الإسلامي قضاء مبرما، لولا مهارة القائد الفذ خالد بن الوليد، الذي استطاع بعبقريته ومهارته العسكرية استخلاص جيشه الصغير- ثلاثة آلاف مسلم- من براثن الجيش الرومي.

وتوالت الأحداث بعد ذلك منذورة بصدام لا مناص منه بين المسلمين أصحاب الرسالة التي كلّفهم الله تعالى بتبليغها للناس، وبين دولة الروم التي وقفت لهم بالمرصاد، تسد الطريق أمامهم بإحكام، وبدأ الصدام بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم، وفي مطلع خلافة الصدّيق أبي بكر (١١- ١٣ هـ/ ٦٣٢- ٦٣٤ م) ، واستطاعت جحافل الإسلام فتح الشام في سرعة فائقة، بعد سلسلة من المعارك الناجحة، من أهمها اليرموك وأجنادين «٢» ، ثم توج فتح الشام بتسلم الخليفة عمر بن الخطاب نفسه لبيت المقدس، من البطريرك صفرونيوس سنة (١٥ هـ/ ٦٣٦ م) ، ثم اضطرت الظروف المسلمين لتأمين فتوحاتهم في الشام إلى السير إلى مصر وفتحها، ثم تابعوا سيرهم غربا لتحقيق الغرض نفسه، فأكملوا فتح المغرب كله إلى المحيط الأطلسي، ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس، وأزالوا منها حكم القوط المسيحي، ثم تقدمت الفتوحات الإسلامية وراء جبال البرانس لتصل إلى أواسط فرنسا، ثم ازدادت اتساعا لتستولي على معظم جزر البحر الأبيض المتوسط من


(١) تاريخ الطبري (٢/ ٦٤٩، ٦٥٠) ، الطبعة الثانية، دار المعارف- القاهرة.
(٢) تراجع أخبار تلك المعارك في تاريخ الطبري (٣/ ٣٩٤) وما بعدها.

<<  <   >  >>