للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التاريخ، خصوصا وأنه تاريخ يحوطه الغموض إلى حد كبير «١» ، وإنما يعنينا في المقام الأول هنا، هو معرفة الحالة الدينية في يثرب قبل البعثة- بإيجاز شديد- لنعرف أثر ذلك في صدى الدعوة لدى أهل يثرب. والوضع الديني في يثرب يختلف عنه في مدن الحجاز الآخرى كمكة والطائف مثلا؛ فمكة والطائف مدينتان وثنيتان، أما يثرب فقد تجاورت فيها الوثنية مع اليهودية، ولم تختلف يثرب عن مكة والطائف في الناصية الدينية فقط؛ وإنما في عناصر السكان والسيطرة كذلك، فمكة والطائف مدينتان عربيتان خالصتان، تسيطر على كل منهما قبيلة عربية واحدة. أما في يثرب فقد اختلف الوضع، فقد تجاور فيها العرب مع اليهود، وكان لهؤلاء دينهم، ولهؤلاء دينهم، بل يمكن القول: إن اختلاف الدين كان بسبب اختلاف عناصر السكان، فقد كان عرب يثرب (الأوس والخزرج) وثنيين وقد لا يختلفون في ذلك عن عرب مكة والطائف، من حيث تعلقهم بالأصنام والالتفاف حولها.

أما اليهود فكانت لهم ديانتهم؛ وهي في أصلها وجوهرها ديانة توحيد، لكن اليهود الذين عاصروا الدعوة حرفوها وانحرفوا بها عن أصلها، كما أخبر بذلك القرآن الكريم (المائدة: ١٣، ٤١ على سبيل المثال) . ولعل تحريف اليهود لديانتهم والبعد بها عن جوهرها كان أحد أسباب عدم اعتناق عرب يثرب لها؛ لأنها لم تكن مقنعة لهم، بالإضافة إلى ادّعاء اليهود أنهم شعب الله المختار، وأن الله اختصهم بهذه الديانة ولم يشاؤوا أن يشاركهم غيرهم فيها؛ فلم يبذلوا أي جهد لدعوة العرب إلي دينهم.

ولما كان لليهود من أثر في موقف أهل يثرب (بل مواقف كثيرين من العرب) ، من الدعوة وفي تطور هذا الموقف، فينبغي أن نعرف شيئا من أخبارهم وتطور وجودهم وعلاقاتهم بمواطنيهم من العرب إلى أن جاء الإسلام، أو بمعنى آخر ينبغي أن نعرف متى جاؤوا إلى يثرب، ومن أين جاؤوا وما هو أصلهم؟ يختلف المؤرخون حول تحديد الزمن الذي جاء فيه اليهود إلى يثرب، وإقليم الحجاز عامة، فيرى البعض أنهم جاؤوا إلى الحجاز بعد خروج موسى عليه السّلام بهم من مصر «٢» ، وقبل دخولهم إلى فلسطين. ومنهم من يرى أنهم جاؤوا في عهد داود عليه السّلام. وهذه أقوال


(١) أحمد إبراهيم الشريف- المرجع نفسه (ص ٢٨٩) .
(٢) انظر ياقوت- معجم البلدان (٥/ ٨٤) ، وأحمد إبراهيم الشريف- المرجع السابق (ص ٣٠٥) ، وابن رسته- الأعلاق النفيسة، (طبع ليدن، ١٩٨١ م) (ص ٦٠) .

<<  <   >  >>