للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال: «كلا كما قتله» ، وقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء «١» .

وقال ابن إسحاق: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعت القوم، وأبو جهل في مثل الحرجة- والحرجة: الشجر الملتف، أو شجرة من الأشجار لا يوصل إليها، شبه رماح المشركين وسيوفهم التي كانت حول أبي جهل لحفظه بهذه الشجرة- وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، قال: فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه- أطارتها- بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها «٢» ثم مر بأبي جهل- وهو عقير- معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل.

ولما انتهت المعركة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فتفرق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه، وأخذ لحيته ليحتز رأسه، وقال: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني؟ أعمد من رجل قتلتموه «٣» ؟ أو هل فوق رجل قتلتموه؟ وقال: فلو غير أكار قتلني، ثم قال: أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله، ثم قال لابن مسعود- وكان قد وضع رجله على عنقه- لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة.

وبعد أن دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود رأسه، وجاء به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال: «الله الذي لا إله إلا هو» ؟

فرددها ثلاثا، ثم قال: «الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه» ، فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هذا فرعون هذه الأمة» .


(١) صحيح البخاري ١/ ٤٤٤، ٢/ ٥٦٨، مشكاة المصابيح ٢/ ٣٥٢، وإنما خص بالسلب واحدا منهما لأن الثاني قتل شهيدا في نفس المعركة.
(٢) بقي معاذ هذا إلى زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
(٣) أي ليس علي عار فلن أبعد أن أكون رجلا قتله قومه.

<<  <   >  >>