للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الظاهرة، وقد أدرك عمروبن العاص ذلك، فخفف عن المصريين كثيرًا من الضرائب التي فرضها البيزنطيون عليهم، والمعروف أن الضرائب البيزنطية، كانت كثيرة ومتنوعة، وتناولت معظم النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وسوى بينهم في أدائها، كما أعفى بعضهم منها.

ويذكر في هذا المقام أن الخليفة كتب إلى عمرو أن يسأل المقوقس في خير وسيلة لحكم البلاد وجباية أموالها، فأشار عليه المقوقس بالشروط التالية:

- أن يستخرج خراج مصر في وقت واحد، عند فراغ الناس من زروعهم.

- أن يرفع خراجها في وقت واحد، عند فراغ أهلها من عصر كرومهم.

- أن تحفر خلجانها كل عام.

- أن تصلح جسورها وتسد ترعها.

- ألا يختار عامل ظالم ليلي أمورها١.

ونتيجة لهذه التوصيات رسم المسلمون خطة جباية الخراج، واعتنوا بهندسة الري، من حفر الخلجان وإصلاح الجسور، وسد الترع، وبناء مقاييس للنيل، وإنشاء الأحواض والقناطر، ولعل من أشهر ما قام به عمرو، هو حفر خليج تراجان الذي يصل النيل بالبحر الأحمر، ويسهل الاتصال بالجزيرة العربية، ويؤمن طريقًا أفضل للتجارة الشرقية، يبتدئ هذا الخليج من شمالي بابليون، ويتجه شمالًا بشرق إلى بلبيس، ثم ينحرف شرقًا إلى بحيرة التمساح ليخرج من جنوبي هذه البحيرة إلى البحيرات المرة، ويبلغ البحر الأحمر عند السويس.

وكان من أثر هذه الإصلاحات أن تحسنت حالة الأقباط، وزادت ثرواتهم، واطمأنوا على أرواحهم، وممتلكاتهم ومستقبلهم، ونعموا بالهدوء والاستقرار، وازدادت إلفتهم بالمسلمين مع مرور الوقت، ودخل كثير منهم في الإسلام.

ويبقى أن نذكر أن الرأي السائد آنذاك، كان أن يبقى المسلمون على رباطهم لا يشتغلون بالزراعة، ولا يحلون بالبلاد كأهلها، فلما اطمأنوا في البلاد أخذ ذلك الحظر يرفع عنهم، وأبيح لهم أن يمتلكوا الأراضي.

بناء الفسطاط ٢:

بعد أن فرغ عمرو بن العاص من فتح الإسكندرية، وأجلى البيزنطيين عنها


١ ابن عبد الحكم: ص٢٨٠.
٢ الفسطاط: للعرب ست لغات في الفسطاط، يقال: فُسطاط وفِسطاط وفُساط وفِسّاط وفُستاط، وفَستاط =

<<  <   >  >>