للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الفصل الثاني: تفشي ظاهرة التنبؤ في المجتمع العربي]

تمهيد: لم يكد نبأ وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينتشر في بلاد العرب حتى اشتعلت الفتنة في كل أنحاء الجزيرة العربية بأشكال مختلفة، ولأسباب متباينة، وبرزت ظاهرة التنبؤ كإحدى الانعكاسات للنجاح الإسلامي في الحجاز، وإن كان بعض المتنبئين قد أعلنوا دعوتهم في أواخر حياة النبي.

فتنبأ الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في بني حنيفة في اليمامة، وطليحة في بني أسد، وسجاح التميمية، ولقيط في عمان، وكانت ثورة اليمن أعنف مظاهر الانتفاض على الدين الجديد في الجزيرة العربية في أواخر حياة النبي، لكن قبائل اليمامة وما جاور الخليج العربي، كانت تتهيأ للثورة على الدين الجديد، ومع أن النبي لم يغفل هذا التطور السلبي في أواخر حياته، إلا أن اهتمامه السياسي انحصر في الالتفات نحو الشمال من خلال تجهيزه حملة أسامة بن زيد، إذ أمره أن يتوجه إلى تخوم البلقاء١، والداروم من أرض فلسطين، واعتقد بأنه إذا استطاع تحقيق الانتصار هناك، فإن ذلك من شأنه تقوية موقفه داخل الجزيرة العربية، وبين قبائلها، وبخاصة أن الدعوة الإسلامية انتشرت آنذاك في مختلف أنحاء الجزيرة العربية من الشمال إلى الجنوب، ثم إن خروج أسامة إلى وجهته يعبر عن الإقلال من شأن هؤلاء الخارجين والمرتدين، وخطرهم، ولا شك بأن هذه السياسة تعطي المسلمين دفعًا معنويًا لمواجهة الخارجين، والمرتدين في اليمن واليمامة، وغيرهما من أنحاء الجزيرة العربية.

كان المتنبئون آنذاك يتهيأون للجهر بدعواتهم آملين بأن تحل بالمسلمين نكبة ما، وأخذوا يبشرون بها، كل في ناحيته بهدوء وأناة، دون أن يطعن أحد منهم بصحة نبوة


١ البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، قصبتها عمان. الحموي: ج١ ص٤٨٩.

<<  <   >  >>