للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تعاليم عمر في نظام القضاء:

كان عمر يختبر قضائه قبل أن يوليهم مهمة القضاء، ويحدد لهم النهج الذي يسيرون عليه، وذلك بما أرساه من تعاليم في نظام القضاء، وآداب القضاة، ولا تزال كتبه، وأقواله تشهد بسعة علمه في القضاء، وأصوله، وأحكامه، وأهم ما كتبه في ذلك كتابه الشهير إلى أبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء، الذي يعد قطعة من أدب القضاة لا تزال خالدة، وقد اهتم به العلماء اهتمامًا عظيمًا بالشرح، فهو يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك! أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فأفهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. وآس بين الناس في وجهك، وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف في عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه إلى رشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم أعرف نفسك الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن أدعى حقًا غائبًا، أو بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينه أخذت له بحقه، وإلا وجهت القضاء عليه؛ فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى، المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو طنينًا في ولاء أو نسب؛ فإن الله سبحانه تولى منكم السرائر ودرأ بالبينات والإيمان، وإياكم والقلق، والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكير عند الخصومات؛ فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شأنه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته! والسلام١.

إن قراءة متأنية لمضمون الكتاب توضح لنا أهم المبادئ القضائية التالية٢:

- على القاضي أن يعلم أن ما يحكم به نوعان: أحدهما فرض محكم غير منسوخ،


١ انظر النص عند: الماوردي ص٩١، سنن الدارقطني: ج٤ ص٢٠٦، ٢٠٧.
٢ القريشي: ج٢ ص٦٣٠، ٦٣١.

<<  <   >  >>